مقالات


حرب الفلول والخلايا النائمة

عدد القراء : 1118

8
حرب الفلول والخلايا النائمة

21-10-2018 03:41 PM

 

تجاهل النكسات الأمنية لا يعالجها ولن يهزم العدو؛ فمنذ مطلع آذار ولغاية 22 منه، نفذت داعش عمليات إرهابية في مناطق متعددة من العراق وخاصة مناطق شمال شرق ديالى وغرب الانبار وجنوب ديالى.

خريطة العمليات الارهابية تؤكد أن داعش لديها عمل ممنهج لتحقيق ثلاثة أهداف:

1.قطع الطرق الخارجية بين المحافظات وصناعة مثلثات للموت والإرهاب في مناطق لها تضاريس معقدة.

2.ضرب التقارب المجتمعي الذي نتج في مراحل توحد العراقيين، بالضد من داعش من خلال القتل على الهوية الطائفية والمذهبية والسياسية.

3.حصار أطراف المدن اقتصاديًا وتحويل المناطق الزراعية والمفتوحة إلى مقرات للقيادة والسيطرة.

في جنوب كركوك لا زلنا نهتم بالعمليات الإرهابية كأعراض جانبيّة، ونقدم المسكنات والمهدئات لها وباستجابة بطيئة وندع علاج أصل المرض والخلل الذي ولد تلك الأعراض.

يبقى السؤال المهم: ماذا بعد، وماذا علينا أن نفعل؟

حشدت القوات المشتركة العراقية، كل قوتِها وإمكاناتها العسكرية في “مثلث المنطقة المحصورة بين ديالى- صلاح الدين-كركوك”، بينما على الجانب الآخر، مجرد فلول من بقايا داعش وخلايا متمردة قوميّة غير نظامية، تُمارس نوعًا من حروب الشوارع الهجينة، وتضرب أهدافاً غير متوقعة من المدنيين بعمليات غادرة أو سيطرات وهمية أو كمائن مفاجئة، أو مرابطات وسيطرات عسكرية منعزلة، فتحدث خسائر ملموسة ومؤثرة.

تعيش أطراف وأرياف المدن المحررة هناك حالة من الخوف، والشعور بالخطر، والحل لن يكون إلا بمعركة الاستخبارات والعمليات الخاصّة والقوات المناطقية.

‏إذا كانت المعركة عسكرياً على داعش انتهت بنصر القوات المسلحة العراقية وحلفائها، فإن الحرب على الإرهاب لم تنته، بل لا تزال مستمرة لاجتثاث أسباب وجذور الإرهاب وملاحقة مخلفاته، وشتاته، وفلوله، وخلاياه النائمة بوسائل أخرى عامودها الفقري الاستخبارات والتعاون المجتمعي، وذلك على أساس أن الأصل في مكافحة الإرهاب والتطرّف العنيف هو رفض المجتمع وتعاون أفراده مع الحكومة.

‏عودة مفارز داعش والجماعات المتمردة، إلى النكاية والمبادرة في اختيار الزمان والمكان والهدف، بسيطرات وهمية وكمائن مخطط لها مسبقًا، يعني إعادة تجديد هياكل تنظيماتها “تنظيم الظل”، ما يزيد من الأحمال الاستخبارية والإقتصادية على حكومة العبادي، الأمر الذي يتطلب إنهاء ملف عودة النازحين لكن بعناية وتمحيص وتدقيق أمني مركّز، علاوة على تفعيل أسباب استقرار مناطق جنوب إقليم كردستان، في ظل تراجع الوفاق السياسي بين بغداد وكردستان والخلاف على إدارة تلك المناطق، وضرورة إغلاق كل ملف عالق يعرقل حقوق الحشد الشعبي والعشائري والمناطقي.

يوماً بعد يوم، تتزايد تعقيدات المشهد الاقتصادي والأمني في المناطق المحررة، في محصلة لتزايد المشاكل وضعف الحلول، وتدخلات اللوبيات المحلية والمناطقية والحزبية، وظهور قوى مجتمعية تتمتّع بعلاقاتها مع منظمات المجتمع المدني الإغاثية والمنظمات الدولية التي تعمل على برامج إعادة التأهيل والعمران، فضلاً عن بروز القوى العشائرية والاثنية والطائفية والقومية في محيط الموصل وتحالفها مع بغداد، ليبقى المواطن أمام كل تلك العشوائيات الإدارية، قابعاً في دوامة الفقر، وانعدام الخدمات والتهديدات الإرهابية.

ولبدء الحكاية من نهايتها، لا بد من الانطلاق من تعزيز الثقة بالهوية الوطنية العراقيّة، وإضعاف سلطة العشائر والطوائف المسلحة، والاعتراف بالآخر والاعتذار منه.

لقد كانت عمليات تحرير محافظات صلاح الدين، وديالى، وكركوك، والأنبار، ونينوى، مكلفة جدًا من حيث التضحيات بالأرواح والخسائر بالأموال والعمران والتراث، وكانت نقطة التحوّل الكبرى في تاريخ انتصارات القوات المسلحة العراقيّة بكل صنوفها، التي كان هدفها القضاء على داعش عسكريًا واجتثاث جذور حواضنها الفكرية، وإجهاض قدراتها اللوجيستية والمالية وإفشال غوايتها الإعلامية وفضح وحشية وقذارة ممارساتها الإرهابيتين.

إن تعدد القوات المسلحة على أراضي المدن المحررة والمستقرة نسبياً، وتعدد اللجان الحكومية المتدخلة بموضوع الاعمار ومقاولات عودة النازحين وتأمين الخدمات الضرورية، أحدث تعقيدات كبيرة في المشهد الاقتصادي والأمني، سببها تعدد مصالح تلك القوى وتناقضاتها؛ الحكومات المحلية ضعيفة، وهي بحاجة إلى تحركات الحكومة الاتحادية.

إن «تنافس الأحزاب» على حصصهم من مقاولات الإعمار، لا يأبه بخسارات العراقيين لأرواحهم وممتلكاتهم؛ فالكيانات السياسية تدعم من ينتخبها لأجل مصالحها السياسيّة، وقياداتها تأمل الحصول على ثقل حكومي، يقود إلى زيادة ثرواتها وتوسع سلطاتها.

لقد بات واضحاً أن دوائر المعلومات والاستخبارات لا بد أن تعتمد على المُواطن في المناطق المحررة، وفي العديد من المناطق المستقرة نسبيا لمنع فلول داعش من تنشيط خلاياها الأمنية، فالسيطرات الوهمية وتكرار الكمائن وعمليات الخطف والاغتيالات وركن العجلات المفخخة والعبوات الناسفة وإطلاق قذائف الهاون، كلها حوادث واقعية تستند إلى حقائق ومعطيات موثقة، فقد كشفت التحقيقات الأمنية في محافظتي نينوى وكركوك التي أجرتها الدوائر الأمنية العراقيّة مع عناصر الخلايا الإرهابية التي تم إلقاء القبض عليها في الشهرين الماضيين بوضوح، أنها بدأت بترتيب أوراقها التنظيمية وأصبح باستطاعتهم المبادرة بعمليات ارهابية محدودة ونوعية.


المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر الفرات الإخباري

Bookmark and Share


تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع الفرات الإخباري بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع الفرات الإخباري علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
عدد التعليقات : 0
لا يوجد تعليقات


اضافة تعليق :
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :