مقالات


هذا هو العراق يا بهيجة

عدد القراء : 3537

8
هذا هو العراق يا بهيجة

09-09-2018 03:38 PM

 

بالأمس خرجت بهيجة، 'فتاة الجسر' شهيدة وثبة كانون من مرقدها المقدّس، فوصلت للمحطة العالمية بكرخ بغداد وإستقلّت القطار الصاعد الى البصرة العطشى. وما أن تحرك القطار من بغداد التي خدّرتها العمائم ناهبا الأرض صوب الشمس ليعانق 'ريله' أعذاق النخيل، وليستريح عند بقايا تنور أم جنوبية قتلها العطش والجوع والفقر والمرض، حتّى بدأت تتأوه بحزن متذكرة ساعة إستشهادها حينما كانت جماهير بغداد والعراق تزلزل الأرض تحت أقدام الطغاة. فعدّلت من جلستها وهي تنظر من خلال نافذة القطار الى براري العراق، وترثي حال الجماهير الصامتة في وطنها عمّا يجري في الفيحاء لتترنم قائلة 'يا ريل طلعو دغش' نعم بهيجة، 'طلعو دغش' ويا ريت تظل بس عالدغش.

وقف القطار في محطّات خاوية مختلفة وهو في طريقه للبصرة، ووصل السماوة ونظرت الى رصيفها فشاهدت ' قطار الموت' يقف هناك والجماهير تلتف حوله، فأدارت وجهها قليلا، وإذا بالمحطة خاوية من الجماهير هي الأخرى وصوت أزيز الرصاص القادم من البصرة يُسمع فيها. فعدّلت من وضعية عباءتها التي نزلت على كتفيها النحيلتين وعادت تقول من جديد 'يا ريل طلعو دغش'، وظلّت عيناها تبحث عن القطار وركابه وسائقه لتقول بصوت عال سمعه بقية الركاب الذين معها في 'الفارگون'، ' و'ضحچة وبچيه تطﮔ بعيني.. لو ردّيت انته وذاك انته'.

إهدأي يا بهيجة واتركي ضحكاتك وبكاءك حتى وصولك لشط العرب لتشاهدي عطشه وموت العشّار. فهل سينجب العراق رجال كركاب ذلك القطاروذاك السائق الشهم الذي كان يقوده؟ وهل سينجب العراق جماهير كالتي سالت دمائها على الجسر بحثا عن كرامتها وكرامة وطنها؟ فجاءها هاتف من مكان قصي وبعيد أن: إطمئني يا بهيجة ففي البصرة ستلاقين هندال يتظاهر مع الشباب الثائر متحدين رصاص السلطة والميليشيات، إطمئني يا بهيجة فما دام للعراقيات أمثالك أرحام فأنّ الرجال قادمون لتحريرعراقك من الحكم الإسلامي الأسود.

حين وصل القطار الى محطته الأخيرة، وما أن وضعت بهيجة قدميها على الرصيف المتشقق عطشا كما شفاه أطفال البصرة، حتّى قفزت وسط الشباب الثائر، لتتقدمهم وهي تشّد عباءتها على وسطها وليغطّي صوت زغاريدها على صوت رصاص المجرمين المتمترسين في أبنيتهم الكونكيرتية. فرفعتها أذرع الجماهير عاليا، وهي تشير كما البوصلة الهادية الى حيث مقرّات الفساد التي جعلت من البصرة مدينة منكوبة.

صعدت بهيجة على برحية مقطوعة الرأس يبكي جذعها سعفها، ونظرت الى الجماهير التي وقفت تطوف بتلك البرحية كما يطوف الحجيج حول الحجر الأسود، وصاحت 'بعالي الصوت' وهي تحثّ المتظاهرين على الإستمرار في تظاهراتهم...

'يا صدري گل للفرح.. أوفي الشعب أوفي

دم بالضمير إشتعل.. شيلنني يچفوفي'

صدرك النازف يا بهيجة لا زال معطاءً ووفيّا لهذا الشعب المضطهد، واليوم وأنت بين الجماهير البصريّة العطشى والمحرومة، فأن أكفّ الجماهير هي التي تحملك عوضا عن كفّيك، وهي تنتظر الفرح القادم حتما على أشلاء الطغاة عديمي الضمير.

'شو هيّ لهبة وطن.. شو هيّ ساعتها

إلعب يطفل الشمس.. واللعبة لعبتهه'

صدقت يا بهيجة، فالبصرة اليوم هي الوطن والساعة اليوم هي بداية الخلاص من الموت والإنتقال للحياة، وطفل الأمس الذي أحرقته أشّعة الشمس وهو يبيع الماء على أرصفة المدينة دون أن يشرب منه، يلعب اليوم اللعبة الأخيرة مع الموت، وسينتصر حتما وإن رماه قنّاص برصاصة أو مات مختنقا بغاز. سينتصر لأن كفنه هو عباءتك وچرغد أمّه وشيلة أخته وعقال أبيه، كيف لا ينتصر من يكون كفنه عِرْضه؟

نزلت بهيجة من على النخلة التي تساقط حولها رصاص الغدر والخيانة بدل الرطب فزغردت:

'هي يا رصاص وهله.. وطرزلي نفنوفي

شو چني ليلة عرس تتراگص زلوفي'

يا شباب البصرة الثائر، ها هي بهيجة تتحدى رصاص القتلة ليطرّز 'نفنوف' عرسها الأبيض ويلونه بالأحمر بدلا عن أحمر شفاه لشفتيها التي ذاقت العطش مثلكم، ولتقل للطغاة موتوا بغيضكم فشعب يطرز الرصاص ثياب نساءه وهنّ يزغردنّ لن يموت، وسينهض كما العنقاء من تحت ركام رماد جهلكم وتخلفكم وعمالتكم.

تقدمّت بهيجة الجماهير الغاضبة وهي تتجه الى حيث مقرّات العصابات الإسلاميّة التي نهبت أموال الشعب وهي تهتف:

'الريح دم.. والهتاف إنجمع تسبيح

يا بويه چن الشعب.. طاح السمه وميطيح'

فهتفت حناجر الجماهير ضد الطغاة وهي تقول لبهيجة: أجسادنا ستكون أعمدة لهذا الوطن كي لا ينهار على رؤوس شعبنا، وحياتنا ستكون قربانا لهذا الوطن كي ينهض من جديد ويتنفس هواءً نقيا لا شائبة إسلاميّة فيه، وسنجعل الريح التي تكنس الإسلاميين، ريح صرصر عاتية.

فردّت بهيجة على الجماهير:

'صبر الشعب لو طفح.. كل عوجه يعدلها

ومن يمحي ثورة شعب.. بجروحه سجّلهه؟'

نعم، لقد طفح الكيل بشعبنا يا بهيجة، وها هي البصرة الثائرة تواجه رصاص الغدر لوحدها وهي تسجّل بأجساد أبنائها البررة قصّة مدينة تطفو على الماء وهي عطشى، قصّة مدينة تطفو على النفط وهي جائعة، قصّة مدينة يريدون بيعها للأجنبي بأبخس الأثمان، قصّة مدينة تموت يوميا ألف ميتة.

الموصل، أربيل، دهوك، السليمانية، الأنبار، صلاح الدين، كركوك، ديالى، واسط، ميسان، بابل، كربلاء، النجف الأشرف، الديوانيّة، الناصرية، السماوة، بغداد. لاتتركوا البصرة فهي أمّكم التي تُرضعكم الحياة. تعلموا منها فن الثورة والتمرّد، فهي المشعل الذي ينير ليلكم الحالك.

***

'يا ريل طلعو دغش' من قصيدة 'الريل وحمد' للشاعر مظفر النواب.

'وضحچة وبچيه تطﮔ بعيني.. لو ردّيت انته وذاك انته' للشاعر مظفر النواب.

الشعر ما بين الأقواس، من قصيدة 'بهيجة' للشاعر كريم العراقي.


زكي رضا
مقالات سابقة
المدسوسون.. مصطلح يتعكّز عليه الطغاة بالعراق
البصرة تنزع عن آيات الله عمائمهم
لبوة الشيعة.. من أين لك هذا؟
إرحلوا
هل سيكتمل عقد أهل الكساء؟
زكي رضا


المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر الفرات الإخباري

Bookmark and Share


تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع الفرات الإخباري بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع الفرات الإخباري علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
عدد التعليقات : 0
لا يوجد تعليقات


اضافة تعليق :
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :