مقالات


دجلة الشاهد

عدد القراء : 987

8
دجلة الشاهد

01-07-2018 06:30 PM

 

مَن منكم زار بغداد ولم يستدر بعينيهِ متأملاً، بدهشةٍ وإعجاب، نهر دجلة وهو يعبُر جسر 'الجمهورية' أو 'السنك' أو 'المعلق'؟

ومن منكم سارَ على ضفافهِ ولم يستمتع برؤية طيور النورس المحلِّقة فوق مياهه، ورائحة السمك (المسكوف)، الذي كانت نيرانه الدائرية المشتعلة تتلألأ على طول النهر، مُضيئة طريق السياح والمارة فوق جسوره!

هذا النهر الذي احتضن عند ضفتيه مواعيد المحبين العابرين رواحاً ومجيئاً، والتقط خلسةً أصوات ضحكاتهم ودوّن حوارات وآهات المكلومين الفاقدين أحبابهم.

هل هناك من لا يعرف دجلة الذي كُتِبَت عنه أجمل القصائد، لعل أشهرها رائعة الجواهري حين أنشد قائلاً:

حيَّيْتُ سفحَك عن بُعدٍ فحيِّني

يا دجلة الخير يا أُم البساتينِ

وأيُّ عراقي يمكنه أن يتخيل شارع 'أبو نؤاس' من دون نهر دجلة؟!

ما إن تسر ذات عُزلة فوق 'جسر الأئمة' متأملاً جريان مائه ومحدِّقاً في انعكاسِ لونه حتى تشعُر وكأن النهر يستوقِفُك عند موضعٍ على شاطئهِ ليحكي لك بعض حكايات الأجيال السالفة وليبُثك وجع قلوبهم وشكواهم!

هذا النهر الذي يشقُّ بغداد إلى نصفين -نشأتْ على ضفافه أقدم الحضارات الإنسانية في بلادِ ما بين النهرين- هل تأملتم نزيف دموعه؟ أم هل استمعتم إليه بقلوبكم وضمائركم وهو يروي أول حكاية مفجعة (جرت على ضفافه) لم تشهد بغداد أفجع منها في تاريخها أيام المغول الدموية؟ عندما باشر الغزاة المغول برمي عشرات الأطنان من الكتب والمخطوطات في نهر دجلة. وكان الرجال والنساء والشيوخ والصبية على سطوحِ بيوتهم القديمة يُشيِّعون بالحزن والألم ذاك الأرث الفكري والعلمي، الذي واصل الغزاة رميه في دجلة، فكانت تتلاطم الأمواج وتتقاذف سطور المعرفة والتاريخ في الوقت ذاته.

ويذكر المؤرخون تلك المشاهد التي انحفرت في الذاكرة، حيث امتزج لون الحبر الأزرق الذي خُطت به آلاف الكتب والمخطوطات بدماءِ العلماء والمفكرين الذين مزَّقتهم حراب الغزاة، وقد أجمل ابن طباطبا ما نزل بأهل بغداد آنذاك في قولهِ: 'فجرى من القتل الذريع والنهب العظيم، والتمثيل البليغ، ما يعظم سماعه جملةً، فما الظن بتفصيله؟ فأصبحت بغداد التي كانت مَضْرب الأمثال في سعةِ العمران وتقدُّم الحضارة، قِفراً موحشةً، وتراكمت جثث القتلى في شوارعها، فغيرت رائحتها وحدث بسبب هذا التغير وباء شديد راح ضحيته خلق كثير'، فما أشبه الليلة بالبارحة؟!

إذ أُضيفت حكاية مُفجِعة أخرى (شهِدها هذا النهر) إلى ذاكرة العراقيين، عندما استُخدم كمقبرة جماعية في يونيو 2014 لطلبة القوة الجوية العراقية الذين أُعدِموا على ضفافه من قِبل تنظيم الدولة (داعش) في قاعدة سبايكر الجوية.

هذا التنظيم الذي استخدم المياه كسلاح وبأبشعِ صورة ممكنة. حيث بدأ الخراب مع سيطرة مقاتليه على مساحات واسعة من وديان النهر، فقاموا بإحراق العديد من الأراضي الزراعية وقطع المياه عن الأخرى؛ ممَّا تسبب بهلاك محاصيل تساوي مئات الملايين من الدولارات.

وكان الأمر يزداد سوءاً كلما انسحب هذا التنظيم من قريةٍ إلى أخرى، فقد اتبع استراتيجية الأرض المحروقة فكان يفجر الجسور ويسدّ قنوات الري ويزرع الألغام في محطات رفع المياه، كما أشعل مقاتلوه النار في العشرات من آبار بترول القيارة، التي ذهبت محتوياتها إلى نهر دجلة لتمتزج هي الأخرى بمياهه.

لم يكن الدمار الناتج عن الحروب هو المِحنة الوحيدة، التي عانى منها نهر دجلة، إذ شيَّدت كل من تركيا وإيران عدداً من السدود خلال العقود الماضية، في وقتٍ كان يعاني فيه العراق من تردٍ في الأوضاع السياسية والأمنية، وضعف نفوذ الدولة وسيطرتها على (ثرواتها النفطية والمائية).

فشّيدت تركيا سد (إليسو)، الذي بدأ بحجز جزء هائل من مياه دجلة وتسبب بانخفاض مناسيب المياه الواصلة للأراضي العراقية. فيما قامت إيران هي الأخرى ببناء السدود وقطع مياه نهر الزاب الصغير من الوصول إلى شمال العراق؛ ممَّا ينذر بحصول كارثة حقيقية لكونه (هو الآخر) سيؤثر بشكل كبير على الزراعة في مناطق السليمانية وكركوك وديالى، كما سيتسبب في انخفاض منسوب المياه إلى مستوى كبير وخصوصاً في فصل الصيف. السؤال الأهم وسط كل ما جرى ويجري من (اغتيالٍ) لنهر دجلة، أين هو دور الحكومة؟! وأين هي هيبة الدولة في التحكم في ثرواتها الوطنية؟

أمام كل هذا، لم تتخذ الحكومة خطوات جادة تجاه ما أصاب نهري العراق العظيمين (دجلة والفرات) من ملوحة وتلوث ومخلفات حرب، وتلف في بنيته التحتية وانخفاض معدلات الصيد في الأهوار خاصة، بل عمدت إلى خفض ميزانية وزارة الموارد المائية من 1.7 مليار دولار عام 2013 إلى 90 مليون دولار عام 2016. وهو ما منع الوزارة من الوفاء بالعديد من التزاماتها المتعلقة بصيانة البنية التحتية.

وأتساءل؛ حكومة عجزت عن حماية حقوق وممتلكات وطنها وشعبها، لماذا تُصِر على إعادة تدوير نفسها من جديد؟!

ومع كل تلك وهذه الكوارث التي واجهها ويواجهها العراق أليس من اللائق (مأساوياً) أن تكون مياهه شريكة هي الأخرى في كفاحه الطويل؟!

لقد كان ولا زال دجلة شاهداً على ما عانىٰ منه هذا الوطن من مِحنٍ وحروبٍ وإهمال حكومة وساسة أدت بِهِ في نهاية المطاف إلى شحةِ وجفاف مياهه، وتعرض ثرواته السمكية والزراعية لخطر الزوال ومغادرة طيور النورس لضفافه ورحيلها إلى غير رجعة!


المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر الفرات الإخباري

Bookmark and Share


تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع الفرات الإخباري بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع الفرات الإخباري علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
عدد التعليقات : 0
لا يوجد تعليقات


اضافة تعليق :
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :