مقالات


على حطام العراق تُقام دولة الأكراد

عدد القراء : 4764

8
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد

18-09-2017 06:27 PM

 

منذ ربع قرن يعيش أكراد شمال العراق هناءة عيش مقارنة بأقرانهم من مواطني العراق في وسطه وجنوبه الذين تحولت حياتهم جحيما.

لم تكن الحياة في الجزء الشمالي من العراق الذي يسميه الأكراد 'كردستان' أي بلاد الأكراد، جنة غير أن ما فقده العراقيون الآخرون من أسباب الحياة يجعلها كذلك.

عاش الأكراد في منأى عن كل الكوارث التي عصفت بالعراقيين.

لم يغسل الحصار الدولي الذي فرض على العراق عيونهم بدموعه السوداء ولم يرقص الجوع بجيوشه بين أمعاء أطفالهم ولم تسقط قنابل الحلفاء على مدنهم ولم ترفس أقدام المحتلين أبواب بيوتهم عند الفجر بحثا عن مقاومين ولم يعرضوا على الكلاب عراة في سجن أبو غريب ولم يغتصب أحد فتياتهم القصر ولم يذلوا عند الحواجز ولم تقطع جدران العزل شوارع مدنهم ولم يتعرضوا للقتل والخطف على الهوية ولم يجرهم أحد قطعانا في المسيرات الجنائزية. لم تسب نساؤهم ولم يجر تفجيرهم في الأسواق ولم تتناثر أجسادهم أشلاء ولم يُرحلوا من بيوتهم إلى خيام النزوح التي لا أمل في مغادرتها بعد أن محيت المدن.

عاش الأكراد عبر ربع قرن من الزمن حياة حُرم منها العراقيون الآخرون. وكانوا يُحسدون على ما هم فيه. بالرغم من أن الحقيقة تقول غير ذلك بعيدا عن المقارنة التي لا تصح في الوضع الطبيعي.

فالأكراد العاديون، سكان الإقليم الشمالي لم يتمتعوا بالحياة التي تليق بالإنسان في ظل الفساد الذي يفرضه نظام حكم عائلي لا يرى فيهم إلا حطبا لإذكاء نار زعامته.

كردستان التي ينوي مسعود البرزاني إعلانها دولة هي في حقيقتها محمية أميركية ـــ إسرائيلية يقطنها الفقراء، المحرمون من التعليم، العاطلون عن العمل، المهمشون الذين تعوزهم الكثير من الخدمات الأساسية التي صارت أقل الدول شأنا توفرها لمواطنيها.

غير أن أولئك المواطنين وبسبب برمجتهم عبر سنوات العزلة على كراهية شيء أسمه العراق والتي صارت عنوانا لكرديتهم المصممة من أجل أن لا يكونوا عراقيين هم الذين سيهبون اقطاعييهم فرصة الاجهاز على العراق، بلدهم.

الاستفتاء الكردي لن يكون أزمة عابرة تعود بعدها المياه إلى مجاريها فذلك العراق الذي عاش فيه العراقيون عربا وأكرادا لن يكون موجودا بعده.

اما ما قاله مسعود البرزاني من أن ذلك الاستفتاء لن يكون ملزما فهي خدعة لن تنطلي على أحد.

ما تدركه الأطراف السياسية كلها أنه لن يكون هناك عراق بعد ذلك الاستفتاء.

لعبة عراق آخر ستكون هي الأخرى مزحة ثقيلة ولن يكون في الإمكان تقبلها. وليس المطلوب هنا أن يُلام الأكراد وحدهم، ذلك لأنهم لم يكونوا سوى ضحايا كذبة لا يزال يسوقها الكثيرون. الكذبة التي تلخص كل شيء بالظلم الذي مارسه العرب في حق الأكراد.

منذ عام 1991 تحرر الاكراد من ظلم حكومة بغداد الذي صار من حصة العرب وحدهم. أما حين احتلت الولايات المتحدة العراق عام 2003 فقد سطع نجم الأكراد. حينها صاروا يحكمون في بغداد واربيل في الوقت نفسه من غير أن يمارسوا من خلال علمانيتهم المزعومة الضغط على شركائهم الشيعة من أجل التخفيف من نزعتهم الدينية والطائفية المزدوجة.

كان الزعماء الأكراد شهود زور في كل ما شهده العرق من مجازر طائفية.

لم يكن العراق غير الطائفي يخدم مصالحهم، لذلك لاذوا بالصمت حين رأوا العراق العربي ينزلق إلى الحرب الاهلية التي يعرفون أنها لن تنتهي.

كانوا شركاء في تلك الحرب. هناك من يؤكد أن البيشمركة شاركت في الحرب الأميركية على الفلوجة عام 2004. غير أن تلك الميليشيا الكردية لم تكن بريئة من تهمة تسليم الموصل لداعش عام 2014.

قد لا يقيم الأكراد دولتهم على حطام العراق غير أنهم لن يكونوا في كل الأحوال أبرياء من صناعة ذلك الحطام.


المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر الفرات الإخباري

Bookmark and Share


تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع الفرات الإخباري بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع الفرات الإخباري علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
عدد التعليقات : 0
لا يوجد تعليقات


اضافة تعليق :
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :