مقالات


وظيفة 'داعش' عراقيا وسوريا

عدد القراء : 2541

8
وظيفة 'داعش' عراقيا وسوريا

02-07-2017 10:36 PM

الفرات -

 

مثلما ظهر 'داعش'، اختفى 'داعش'، اقلّه في العراق وذلك في انتظار يوم قريب لا يعود له وجود في سوريا. ظهر في العراق في مثل هذه الايّام من العام 2014، عندما كان نوري المالكي رئيسا للوزراء. سيطر على مدينة الموصل التي تعتبر ثاني اكبر المدن العراقية معتمدا على عدد محدود من المقاتلين، فيما كان آلاف الجنود العراقيين في المدينة. تفكّك الجيش العراقي الجديد، أي جيش ما بعد 2003، وهرب من المعركة من دون سبب منطقي. وسقطت الموصل التي كانت تشكل حاضرة من حواضر العراق. لعب 'داعش' كلّ الأدوار المطلوبة منه بهدف تشويه الإسلام، اكان ذلك في سوريا او في العراق وفي انحاء مختلفة من العالم. كلّ ذلك من اجل تصوير النظام السوري بانّه يقاتل الإرهاب. الاهمّ من ذلك، برّر وجود 'داعش' التدخل الروسي وقبله الايراني في سوريا وشوّه الى حد كبير ثورة الشعب السوري الذي لا بدّ ان ينتصر يوما على كلّ الذين دخلوا في حرب معه بعدما انتفض في العام 2011 على 'سوريا الأسد' من اجل استعادة بعض من كرامته.

فجأة، بقدرة قادر، استطاع الجيش العراقي بدعم من 'الحشد الشعبي' استعادة الموصل. سيأتي يوم تظهر فيه كلّ الحقائق وتروى كل تفاصيل سقوط الموصل واستعادتها، لكن الثابت في المشهد ان المدينة دمّرت وسكانها صاروا في عداد المهجّرين بعدما ادّى 'داعش' الدور المطلوب منه. انّه في الواقع الدور الذي خلق 'داعش' من اجله، لا اكثر.

ليس بعيدا اليوم الذي سينتهي فيه 'داعش' في سوريا بعد تأدية الدور المطلوب والذي وجد أصلا من اجله. سيخرج 'داعش' من الرقّة. سيرسم الاكراد الذين قاتلوه بدعم أميركي شارة النصر. يبدو واضحا انّ 'داعش' لم يظهر صدفة، كما لم يختف صدفة. الأكيد ان هناك من سيخلف 'داعش' في مناطق أخرى من العالم وفي ظلّ أسماء أخرى مختلفة تصبّ كلّها في سياق تنفيذ مخطّط مدروس بدقة. هذا مخطط مدروس ان لجهة تبرير وجود النظام السوري، علما ان هذا النظام صار في مزبلة التاريخ، او لجهة الانتهاء من الموصل تنفيذا لعملية تصبّ في تغيير طبيعة العراق والانتهاء من مدنه الكبيرة مثل البصرة وبغداد والموصل أخيرا وليس آخرا في طبيعة الحال.

هناك وظيفة لـ'داعش' الذي صنعته في الأصل ايران والنظام السوري عندما اخرجتا آلاف المتطرفين من سجون سورية وعراقية. خلف 'داعش' تنظيم 'القاعدة' وتفوّق عليه في كل ميدان من ميادين الإرهاب والوحشية وصولا الى تبني عمليات دهس مواطنين أبرياء في مدن أوروبية في توقيت معيّن مرتبط الى حدّ كبير بما يدور في سوريا من احداث يقف وراءها النظام والذين يدعمونه. استُخدم 'داعش' افضل استخدام في تغطية جرائم النظام السوري الذي كان في حاجة ماسة اليه عندما ظهر في تدمر ودمّر آثارها وعندما انسحب من تدمر كي يمكن القول ان النظام لا يزال قادرا على القتال وانّه ليس اسير الميليشيات المذهبية التابعة لإيران ولا سلاح جو الروسي الذي حال دون سقوط الساحل السوري في خريف العام 2015.

تبيّن مع مرور الوقت انّ هناك وظيفة عراقية وأخرى سورية لـ'داعش'. سبقت الوظيفة السورية الوظيفة العراقية، لكنّ ما لا يمكن الاختلاف في شأنه هو انّ الحاجة لا تزال قائمة الى 'داعش' في سوريا، فيما اتمّ 'داعش' في العراق المهمّة التي وجد من اجلها، أي تدمير الموصل وتهجير أهلها وتغيير طبيعة المدينة وتركيبتها وتغطية ممارسات 'الحشد الشعبي' التي هي في مستوى ممارساته والوجه الآخر لها.

بعيدا عن كلّ الاحداث الكبيرة التي رافقت ظهور 'داعش'، هناك ملاحظات قليلة لا مفرّ من ايرادها عن ظاهرة تحمل هذا الاسم. ترتبط الملاحظة الاولى بظهور 'الحشد الشعبي' في العراق. هناك ميليشيات عراقية منبثقة عن أحزاب مذهبية تابعة لإيران استغلت ظهور 'داعش' في الموصل، لتعلن عن قيام 'الحشد الشعبي'. لم يكن من مبرّر لقيام 'الحشد' لولا 'داعش'. كانت حاجة الى ممارسات 'داعش' وارهابه كي يجد 'الحشد' مبررا لما قام به. الاهمّ من ذلك كلّه، مرّت عملية إيجاد شرعية لـ'الحشد الشعبي' بسهولة في ضوء ما ارتكبه 'داعش' الذي صار مطلوبا الانتقام منه. في الواقع، لم يكن مطلوبا الانتقام من 'داعش' بمقدار ما انّه كان مطلوبا الانتقام من اهل الموصل ومن المدينة نفسها بحجة ان هناك حاضنة لـ'داعش' في الموصل هي بقايا الجيش العراقي الذي حلّه المندوب السامي الاميركي بول بريمر بعد احتلال العراق في العام 2003 واسس في موازاة ذلك لنظام قائم على المحاصصة الطائفية مع تركيز على تهميش السنّة العرب واذلالهم، عن سابق تصوّر وتصميم.

لولا 'داعش'، لما كان ممكنا تشكيل 'الحشد الشعبي' الذي هو الوجه الآخر لهذا التنظيم الإرهابي السنّي. بفضل 'داعش'، صار طبيعيا ان يقود معارك الموصل الجنرال الايراني قاسم سليماني قائد 'فيلق القدس' في 'الحرس الثوري' الايراني. بفضل 'داعش'، صار كلّ شيء مقبولا في العراق، بما في ذلك ان تحلّ ميليشيات مذهبية مكان الجيش العراقي.

ابعد من ذلك كلّه، قضى 'داعش' على الحدود بين سوريا والعراق كدولتين مستقلتين. سار على خطى 'حزب الله'، الميليشيا اللبنانية التابعة لإيران بصفة كونها لواء في 'الحرس الثوري' الايراني. عزّز 'داعش' النظرية القائلة ان الرابط المذهبي يتجاوز سيادة الدول والحدود المعترف بها دوليا. تدخّل 'حزب الله' في سوريا من منطلق مذهبي ليس الّا. ارتبط 'داعش' سوريا بـ'داعش' العراق، من منطلق مذهبي أيضا. وُجد من يستغل ذلك لتكريس واقع جديد في الشرق الاوسط. تقف ايران وراء هذا الواقع المتمثّل في ان المذهب هو الرابط برّا وجوّا. استند الأمين العام لـ'حزب الله' حسن نصرالله في خطابه الأخير في مناسبة 'يوم القدس'، وهو 'يوم خطف القدس' من قبل ايران، ليقول انّه اذا هاجمت إسرائيل لبنان، 'ستفتح الأجواء لعشرات الآلاف، بل مئات الآلاف من المجاهدين والمقاتلين من كلّ انحاء العالم العربي والإسلامي من والعراق وايران واليمن وأفغانستان وباكستان ليكونوا شركاء في هذه المعركة'. كان يشير الى احتمال تدفق مقاتلين شيعة من كلّ العالم على لبنان وكأنّ لبنان لا يكفيه ما يعانيه من السلاح غير الشرعي لـ'حزب الله' ومن دخول الحزب في حرب على الشعب السوري.

ماذا بعد معركة الموصل؟ ليس الموضوع موضوع 'داعش' الذي انتهى. من سيخلف 'داعش' هو الموضوع. ادّى 'داعش' المطلوب عراقيا. صار 'الحشد الشعبي' مؤسسة شرعية في العراق. السؤال الآن كيف سيُستخدم 'داعش' سوريا. المهمّة السورية لـ'داعش' لم تنته بعد. الشيء الوحيد الثابت انّها كانت مهمّة إيرانية فاشلة بمشاركة النظام السوري. لن ينقذ 'داعش' النظام السوري كما كان مخططا لذلك. لكنه ساعد في المقابل في تكريس 'الحشد الشعبي' ليكون جزءا لا يتجزّأ من المعادلة السياسية في العراق مع ما يعنيه ذلك من أسئلة في شأن مستقبل حيدر العبادي. ما الذي سيفعله رئيس الوزراء العراقي بعد الموصل؟ هل يستطيع اثبات ان الجيش العراقي لا يزال موجودا... ام عليه الاستسلام نهائيا لـ'الحشد'، أي لإيران؟

Bookmark and Share


تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع الفرات الإخباري بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع الفرات الإخباري علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
عدد التعليقات : 0
لا يوجد تعليقات


اضافة تعليق :
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :