مقالات


الحشد الشعبي في دائرة الاستقطاب بين المالكي والعبادي

عدد القراء : 4101

8
الحشد الشعبي في دائرة الاستقطاب بين المالكي والعبادي

21-05-2017 03:53 PM

 

لا شك أن إيران تدرك جيداً أن صعود نجم ونهج المليشيات التي تنافس عمل الدولة في العراق سيبدأ بالأفول في مشروع ما بعد داعش، وإن لم تُغير آلية استراتيجيتها في التعامل مع مناطق انتشار نفوذها؛ سيجعلها في مواجهة المجتمع الدولي الذي دخل العراق من باب داعش الكبير و'محاربة الإرهاب'، ولن يخرج من العراق والمنطقة إلا بتسوية سياسية وصناعة ظرف أمني وسياسي يضمن مصالحها، وينهي حالة الفوضى المنفلتة إلى حالة شبه منظمة ومتناقصة نحو الاستقرار السياسي والأمني؛ من خلال بناء هياكل وأجهزة مؤسسية أمنية سليمة، وعملية سياسية جديدة، وعقد سياسي واجتماعي جديدين بين مكونات المجتمع العراقي المتوجس بعضها من بعض.

فلضمان بقاء النفوذ الإيراني بالشكل الذي يرضي طهران مع منافسيها الداخلين بقوة إلى العراق بعد الاتفاق النووي وسيطرة داعش على ثلث مساحة العراق، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، كمنافس رئيسي معها، تعمل إيران على أن تكون مليشيات الحشد الشعبي المادة الخام التي تضمن المصالح الإيرانية على المستوى العسكري والسياسي، والقادرة على تغيير المعادلة وقلب الطاولة على أمريكا وحلفائها الإقليميين فيما لو اقتضت الضرورة ذلك.

على المستوى الأمني تدعم وتسلح وتشرف الولايات المتحدة على 'جهاز مكافحة الإرهاب'، وهو جهاز مرتبط مباشرة برئيس الوزراء، وغير تابع لوزارة الدفاع، وهو ذراع عسكري مؤسسي لا تستطيع إيران استخدامه أو اختراقه أو توظيفه بشكل مباشر كالأجهزة الأمنية المخترقة والمهترئة الأخرى في وزارتي الدفاع والداخلية، فقامت بمحاولات مأسسة مليشيات الحشد الشعبي قانونياً بشكل مشابه لجهاز مكافحة الإرهاب من خلال البرلمان، ليكون لأي رئيس وزراء عراقي قادم ذراعان عسكريان؛ الأول تشرف عليه الولايات المتحدة ،والآخر يشرف عليه الحرس الثوري الإيراني، وهذان الجهازان لا يحركهما رئيس الوزراء، وإنما يُحركانهِ ليوازن بين مصالح كل منهما من الناحية العسكرية والأمنية مستقبلاً!

تسعى إيران ليكون الحشد الشعبي القوة والأداة التي تضمن الولاء لإيران في العراق مستقبلاً، وتحمي حدود ما وصلت إليه من أي خطر قد يهددها 'كحرس ثوري عراقي'، بإشراف وتدريب ودعم إيراني. إن الحشد الشعبي قوة لا تقاتل من أجل هزيمة داعش فقط، وهي ليست على استعداد للتراجع عن الأماكن التي لم تطأها أقدامها سابقاً، فقد فتح الحشد والقوى المنضوية فيه عشرات المكاتب في جميع المناطق التي دخلها.

هذا فضلاً عن أن هناك مليشيات في الحشد الشعبي لديها رغبة بالدخول في العملية السياسية والانتخابات، وهناك مليشيات أخرى تسعى للاندماج بالجيش العراقي بشكل رسمي كما صرح رئيس الوزراء حيدر لعبادي 'تحت ضغوط'، قائلاً: 'إن الحشد الشعبي هو العمود الفقري للجيش العراقي' وليس العكس، إضافة إلى أن هناك أجهزة أمنية مادتها وهياكلها الصلبة هي المليشيات التابعة للقوى السياسية المنضوية تحت العباءة الإيرانية.

إن ولادة حياة سياسية ديمقراطية موعودة ومدعومة من المجتمع الدولي، وانتخابات حقيقية بعيداً عن تأثير المليشيات؛ ستؤدي إلى انتصار التيارات المدنية، والكتل والأحزاب ذات البرامج السياسية، كما حصل في انتخابات 2010، عندما ولد مناخ سياسي بعد محاربة المليشيات السنية والشيعية في فترة 2007 - 2010، الذي أدى إلى فوز القائمة العراقية ذات البرنامج الانتخابي 'العابر للطائفية'؛ وهو ما سيعني عدم ضمان للمصالح والنفوذ الإيراني مرة أخرى، الذي لا ينشط ولا يتوسع إلا مع الفوضى وتغييب القانون والدستور، لذا تعمل إيران من خلال الحشد الشعبي على جعل جزء منه تياراً سياسياً داخل العملية السياسية، ولن تفلح في ذلك مطلقاً، وجزء آخر جهازاً عسكرياً أو وزارة مستقلة لا تتبع وزارة الدفاع، وله مميزات خاصة؛ كجهاز التعبئة الشعبية (الباسيج) الإيراني، الذي سيضمن مصالح إيران في العراق، وينافس الأجهزة الأخرى بعملها واختصاصاتها، كما تعمل بعض القوى الشيعية حالياً في البرلمان العراقي على تحصينه بقانون من أي مساءلة قانونية على الجرائم التي ارتكبها، وتخصص له أموال من الموازنة العامة للدولة؛ وبذلك تكون إيران من خلال الحشد الشعبي قد هيأت بعض السيناريوهات للحفاظ على مصالحها ونفوذها في عراق ما بعد 'داعش'.

ويمكننا القول إن الحشد الشعبي أصبح مادة شعبية خاماً داخل البيت الشيعي، سياسياً وعسكرياً، وستشارك في الانتخابات المقبلة كناخبين وليس ككيانات سياسية مع الأجهزة الأمنية الأخرى؛ لذا فهو في محط استقطاب وصراع بين فريق المالكي الذي يحاول إبقاء الارتباط بينه وبين الكثير من قادة المليشيات المنضوية في الحشد من جهة، وبين فريق العبادي من جهة أخرى الذي يحاول جاهداً فك ارتباط الحشد بالمالكي وربطه به شخصياً للاستفادة منه انتخابياً ومن خلال تنفيذ القانون الذي أقر في البرلمان 'قانون الحشد الشعبي' وارتباطه بالقائد العام للقوات المسلحة 'رئيس الوزراء'.

لذا نجد رئيس الوزراء، حيدر العبادي، يهدد فصائل الحشد بين الحين والآخر، ومن خطورة عدم الانضواء خلف الدولة، وحصر استخدام سلاحها، ويتهم بعضها بتنفيذ عمليات إجرامية وخطف وانتهاكات، ويقطع رواتب المقاتلين تارة ثم يرفعها تارة أخرى! بمحاولته إرسال رسالة أن مصيركم بيد القائد العام دستورياً، وهي فرصة أمامكم لتكونوا جزءاً من المؤسسة الأمنية، وفرصة لي للتجديد لولاية ثانية.


المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر الفرات الإخباري

Bookmark and Share


تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع الفرات الإخباري بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع الفرات الإخباري علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
عدد التعليقات : 0
لا يوجد تعليقات


اضافة تعليق :
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :