مقالات


قانون حرية التعبير في بلد الميلشيات!

عدد القراء : 2049

8
قانون حرية التعبير في بلد الميلشيات!

16-05-2017 01:44 PM

 

سيناقش البرلمان قانون حرية التعبير عن الرأي، وتنظم التظاهرات ايضا في نفس اليوم احتجاجا على تشريعه. يصادف مناقشة هذا القانون مع العقوبات التي مارستها هذه الايام ميليشيات السلطة، او الميلشيات المتعاونة معها على اقل تقدير- باختطاف سبعة شبان وتعذيبهم نتيجة لممارسة حقهم 'الدستوري' بالتظاهر والتعبير عن الرأي. وبعض من هؤلاء المختطفين هم اعضاء في حزب مجاز 'رسميا' من قبل اجهزة السلطة ويعمل 'وفق القانون' ويفترض ان يحمي القانون اعضائه من بطش السلطة والهيئات المرتبطة والمتعاونة معها (الحزب الشيوعي العراقي). ولم يتم اطلاق سراحهم الا نتيجة الضغط الذي مارسته التظاهرات في غضون يومين، وليس بسبب احترام 'حقهم الدستوري' بالتظاهر ولافتضاح امر الميلشيات التي اختطفتهم.

لكن لنبقى في موضوع قانون حرية التعبير والتظاهر الذي يتفرض ان تجري الان مناقشته. ان قراءة لهذا القانون توضح بما لا يقبل الشك بان الهدف الاساسي منه هو ليس اقرار الحريات السياسية أو احترام حق التعبير عن الرأي وضمان حرية التظاهر، بل هو رسم وتوضيح الحدود امام المواطن (المواطن فقط، وليس اي شخص ساكن في العراق) او لدى الجهة المنظمة، اذا ماارادوا ممارسة 'حقهم' في التعبير او ان يقوم باعمال سياسية كالتظاهر.

كما هو واضح من النص المقترح ان الهدف الاساسي والاهم الذي تركز عليه مسودة القانون هو حماية ما يلي: 'الطوائف الدينية'، 'الاجتماعات الدينية'، 'الاماكن الدينية'، 'الرموز الدينية'، 'الشعائر الدينية' 'النصوص الدينية'، و'الشخصيات الدينية'. وينص مقترح القانون على تحديد العقوبات للمخالفين والتي تتراوح بين السجن لسنة، او لغرامات مالية تصل الى 10 ملايين دينار. هذه 'الحزمة الدينية' التي يضعها مقترح القانون امام المواطن تشكل القلعة والحصن الذي تريد السلطة الحاكمة التحصن به قانونيا، بمواجهة وبالضد من احتمالية قيام المواطن او جهة معينة بمسها او التطاول عليها.

ان هدف قانون 'حرية التعبير' هو حماية السلطة الحاكمة من خطر او اخطار 'حق التعبير' التي قد تعرض سلطتهم لخطر 'النقد' وليس حماية حق المواطن في التعبير. ولكن كيف يمكن حماية السلطة ومؤسساتها من النقد وهي عاجزة عن تقديم الخدمات، مثل الكهرباء، الى عدم توفير الامن والامان، تقديم فرص عمل او ضمان اجتماعي، الى الفساد والنهب، عدم وجود خدمات صحية للمواطنين، الى عدم وجود تعليم، وجود الارهاب والقتل والاختطاف، امتهان حقوق الطفل والقائمة تطول.. وتريد السلطة ان تحمي نفسها من حرية التعبير وحرية النقد والتظاهر.

لم ينص القانون على اية عقوبة لاولئك الذين يتعرضون للمواطنين الذين يمارسون حقهم في التعبير وفي التظاهر. ما هي الحماية القانونية التي توفرت للمتظاهرين والذين عبروا عن ارائهم حتى لا يختطف الشباب السبعة، ومن قبلهم جلال الشحماني، وافراح شوقي وغيرهم. لا شيء!

الطبقة البرجوازية الحاكمة في العراق استخدمت الاسلام السياسي - الشيعي كايديولوجية سياسية لها بقدرما استخدم النظام السابق القومية العربية كايديولوجية له. واذا وضع النظام انذاك 'مبادئ ثورة 17 تموز' كخط احمر له، ويجب تقديم الولاء والقسم بمبادئ تلك الثورة كشرط مسبق لنيل الشرعية، فان ابداء الولاء وعدم المس بالـ'حزمة الدينية' هو ما تضعه سلطة الاسلام السياسي الشيعي كشرط مسبق للحصول على الشرعية او حق التمتع بحرية الكلام او بحرية العمل، وذلك لحماية نفسها ومصالحها ووجودها في السلطة.

ولكن وكما هو ساري وواضح ان ما يجري في الواقع هو سريان قانون القوة وليس قوة القانون. ان منع النقد العلني وحرية التعبير لا يعني توقف النقد، مع كل تلك الهجمة الشرسة والمتعددة الاشكال التي تشنها الطبقة الحاكمة على الجماهير. ان ما تسعى الجماهير لممارسته هو حقها المطلق في التعبير عن الرأي وتجاه اية قضية في المجتمع، دينية او علمانية، وبحرية تامة وبدون قيد أو شرط، وعلى مختلف الاصعدة السياسية، الثقافية والأخلاقية والأيديولوجية للمجتمع. واي قمع قانوني لحرية النقد بذريعة حماية الطوائف والرموز والمقدسات والشعائر هو من اجل تضييق الخناق واخضاع الجماهير فكريا لهيمنة الطبقة الحاكمة سياسيا، وهو امر مرفوض. ان الجماهير في خضم هذه الحركة اللولبية المتصاعدة والداعية دائما الى حق التعبير وحق النقد وحق التظاهر، اي كانت السلطة، واي كان القانون، انما تمارس حقها من اجل الدفاع عن حياتها، ومعيشتها وامنها هي وبمواجهة السلطة وكامل منظومتها الاقتصادية والسياسية والفكرية.


المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر الفرات الإخباري

Bookmark and Share


تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع الفرات الإخباري بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع الفرات الإخباري علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
عدد التعليقات : 0
لا يوجد تعليقات


اضافة تعليق :
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :