ملفات الفرات


السياسة الإيرانية.. مشروع توسعي بمسوغات طائفية

عدد القراء : 97311

8
السياسة الإيرانية.. مشروع توسعي بمسوغات طائفية

01-06-2015 12:57 PM

الفرات -


ترى إيران أن لها دورا محوريا اليوم في “ملء فراغ” ساحة الخليج العربي سياسيا وعسكريا، لكنها تختلف عن غيرها بامتلاكها مشروعا عقائديا عالميا، يحمل تفويضا أخلاقيا يسمح لها بـ”التمدد الجغرافي” أكثر من أي وقت مَضى، لغرض إقامة خلافةٍ جاهزة لمقدم “الغائب الحجة” عبر أيديولوجيا “ولاية الفقيه”، بدعوى نيابة الإمام المهدي في عصر الغيبة الكبرى في نصرة المستضعفين المظلومين.
من هنا، يكون التعرُّف على الأيديولوجية المسيطرة على صُنَّاع القرار الإيراني أمرا حيويا لإمكانية تفسير التحركات السياسية الصاخبة أو المتضاربة أحيانا؛ إذ الأفكار والمعتقدات من الأدوات الشائعة في السياسة الخارجية لأي دولة تهدف إلى تنفيذ أهداف توسعية كبرى، وخاصة في مثل الظاهرة الإيرانية التي امتزج فيه الدين بالسياسة، حتى أفرزت الحكومة الإسلامية شكلا لم يعرفه التشيع الاثنا عشري منذ تأسيسه، فإيران هي الدولة الدستورية الوحيدة في العالم التي ينص دستورها على مذهبية الدولة الأبدية، والقائمة خاصة على نظرية الولاية المطلقة للفقيه، أو الولاية غير المقيدة بأي شروط، على أساس أن الولي ممثل الله في الأرض، وسلطاته تماثل سلطات النبي، وهي الدعوة التي تبناها ودعا إليها الخميني (بعد الثورة).

أكبر مخاطر هذه النظرية الأخيرة أنها تنطلق من ديمومة الثورة، لاعتقادها بحمل رسالة “مدينة الله” للأمم كافة، فنظرية “اللاهوت السياسي” أصبحت لدى هؤلاء حُجية الإسلام، فلا يصح الإيمان إلا بإقرارها وتَبَنِّي أهدافها فكرا وسلوكا. وعليه؛ تكون “الولاية” بمثابة طوق نجاة العالم الإسلامي للخروج من قبضة الطاغوت والظَّفَرِ بالحرية لإقامة العدالة في هذا العصر “وهكذا تتحقق حكومة المستضعفين في الأرض (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين)”.

الأفكار والمعتقدات من الأدوات الشائعة في السياسة الخارجية لأي دولة تهدف إلى تنفيذ أهداف توسعية كبرى، وخاصة في مثل الظاهرة الإيرانية
بهذه النداءات عَبَرَتْ النظرية الحدود الإقليمية لتُقَدِّمَ نفسها كـ”مشروعٍ أممي”، باعتبار أن الثورة الخمينية هي تلبية لـ”نداء السماء” للقيام بمهمة “تحرير الشعوب” من جلاديها، و”إنصاف المظلومين” من الحكام الطغاة، تطبيقا لـ”الوعد الإلهي”.

صار “التمدد الجغرافي” رُكنًا من أركان عقيدة الولاية، وكل الذي جرى من تغيير عام 1979 هو أن السلطة الجديدة ستمارس دور “الفقيه المسلح”، بدلا من “شرطي الخليج”، وكانت أُولى التطبيقات العملية لهذا التوجه التَمَسُّك بالجُزُرِ العربية الإماراتية الثلاث والإصرار على “فارسية” الخليج، مع سمة جديدة إضافية هي فرض أيديولوجية الفقيه على دول الجوار، فكان العراق في مقدمة أهداف المشروع التوسعي لأنه يمثل “الرأس العربي”، الذي ينبغي الإطاحة به أولا قبل الشروع في اجتياح الخليج العربي، مرورا باختراق مصر وصولا إلى شمال أفريقيا، ولوح القفز المقبول عربيا لتحويل الثورة إلى حالة قومية وهوية جديدة لشيعة إقليم الجزيرة العربية وما جاورها.

أخذت إيران على عاتقها تدعيم نفوذها على الساحة الإقليمية من خلال انتهاج سياسة “تصدير الثورة” التي اعتمدت على استخدام ما يسمي بـ”الرموز المكثفة”، مثل شعار “عدو الإسلام” الذي استخدم بكثافة ضد كل خصوم نظام الجمهورية الإسلامية، وشعار “الشيطان الأكبر” لوصف الولايات المتحدة الأميركية، فولاية الفقيه هي أيديولوجيا سياسية في نفسها، تبادر إلى إِضفاء جملة من المفاهيم والشعارات لغرض الإيحاء بأن مقدمات الثورة وعللها وأسبابها ونتائجها صدرت من المؤسسة الدينية (الملالي)، فتكوَّنت لها منظومة من المصطلحات والمفاهيم التي تتحكم بالفاعل السياسي وأتباعه من الموالين في خريطة الخليج العربي.

'سلسلة الصَّدع المذهبي' هذه، هي الدُّوَل التي تُمثّل مُقتربات ضعيفة وسهلة لإيران، حيث تحوي أقليات شيعية
تمتلك إيران نَفَسًا مذهبيا تُوَّظفه حسب الحاجة والمصلحة، وفكرة “المجال الحيوي المذهبي” جوهرية، لتحقيق أهداف إستراتيجية وتكتيكية فصَّلتها مراجعُ التقليد وفق مقياس مذهبي، عن طريق ضمان ضم المحيط المجاور ضمن سلسلة عناصر تُحقق الهيمنة والسيطرة وبسط النفوذ عبر وسيلة المذهب الشيعي على خطى اليمننة، مما يوفر لإيران عوامل القوة التي ترتكز على مفهوم الدفاع عن أمنها القومي خارج حدودها، المُثقلة بمصادر التوتر والأزمات، وهذا لن يتحقق إلا ببناء “مَصَدَّات دفاع مذهبي” خارج حدودها الجغرافية، تنطلق عبر المدخل العراقي، مرورا بالدول التي تمثل “سلسلة الصدع المذهبي”، وهي الدول التي تشكل حزاما وحدودا مذهبية ممتدة من إيران إلى العراق مرورا بسوريا ولبنان، وعَودا إلى دول الخليج العربي وصولا إلى اليمن. وهذه الدول (الجزيرة العربية) في معظمها تمثل كتلة الطاقة الروحية والمادية في العالم.

“سلسلة الصَّدع المذهبي” هذه، هي الدُّوَل التي تُمثّل مُقتربات ضعيفة وسهلة لإيران، حيث تحوي أقليات شيعية تُسهّل عملية بناء نقاط ارتكاز ومَصَدَّات مذهبية يمكن من خلالها دعم عملية التمدُّد المذهبي الذي يؤمِّن بناء مجال إيران الحيوي، بحيث تشكّل بمجموعها صَدعا يُهدّد الدول العربية، وخاصة الدول التي تضم خارطتها الديموغرافية أقليات شيعية طامحة. وبإعادة تكوين وتهيئة تلك الجيوب الصَّدعية تتشكل المَصَدَّات الدفاعية الجيوبوليتيكية فيتمدد المجال الحيوي المذهبي الإيراني.


خلاصة من بحث بهلول سليم “درع الجزيرة في مواجهة النفوذ الإيراني”، ضمن الكتاب 100 (أبريل 2015) “الفرص والتحديات في دول الخليج العربي” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي

Bookmark and Share


تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع الفرات الإخباري بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع الفرات الإخباري علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
عدد التعليقات : 0
لا يوجد تعليقات


اضافة تعليق :
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :

ملفات سابقة