22-07-2019 10:03 مساءً

ملفات الفرات


صون الآثار العربية الإسلامية: قراءات التاريخ والسياسة

عدد القراء : 13518

8
صون الآثار العربية الإسلامية: قراءات التاريخ والسياسة

30-03-2015 02:00 PM

الفرات -


الآثار القائمة في المنطقة العربية الإسلامية التي تتعرض، راهنا، لعدوان التنظيمات التكفيرية المتطرفة، وتلك التي تتهددها المعاول وتقع تحت مجال نظر الإرهاب، تثير إشكالا حارقا حول سبل حماية ما خلفه تعاقب الحضارات على منطقتنا. أصوات عديدة تعالت بأن الآثار العربية الإسلامية النادرة يجدر صونها وحمايتها في متاحف عالمية بعيدا عن أيادي الهدم، ورؤى أخرى تنطلق من أرضيات مغايرة ترى أن آثارنا المسروقة والمودعة في متاحف عالمية هي أيضا جزء من فقدان ذاكرة شامل يتهددنا.
الآثار التاريخية شواهد الحضارات، والحضارة سليلة الاستقرار. لذلك فإن الآثار، بمختلف أشكالها، هي وثائق تاريخية تسمح بدراسة المراحل التي تعاقبت على بلد ما. وتحفل المنطقة العربية الإسلامية بآثار ومعالم تؤكد عراقة المنطقة وإسهاماتها في التاريخ الإنساني. لكن كل تلك الشواهد تعيش وضعا خطيرا يبدأ من الإهمال ويصل أقصاه مع التحطيم والتفجير والهدم.

عندما أعملت عناصر داعش معاولها وأدواتها في آثار العراق مؤخرا، بدا أن الأمر أبعدُ من “التخلص” من آثار الإنسانية (على ما في الأمر من خطر وخطورة)، بل هو يتصل بنظر أهوج إلى الحضارة. تبين أن داعش، وسواها، تهددنا بفقدان ذاكرة جماعية، وأنها تمارس الإرهاب بمفعول “رجعي” يعود ليعاقب الماضي بأن يطمس آثاره وبقاياه بمسوغات دينية واهية، دحضتها ردود دينية فقهية.

بعيدا عن نظر داعش إلى الآثار وتوصيفها بأنها أصناما تعبد، فإن الحدث طرح إشكال صون آثارنا، وهو ما أفرز قراءتين متعارضتين، كل قراءة تكتسب وجاهتها انطلاقا من الأسس التي تنبني عليها.

الأولى تقول أن الآثار المودعة في المتاحف العالمية (من قبيل المتحف البريطاني ومتحف اللوفر) محفوظة بطرق علمية وتقنية تتيح صونها من التلف والضرر وتسمح لاحقا بتوظيفها كـ”وثائق” تاريخية تفيد في فهم ودراسة الحضارات الإنسانية.

الآثار المودعة في المتاحف العالمية محفوظة بطرق علمية تتيح صونها من التلف وتسمح بتوظيفها كـ'وثائق' تاريخية
تصر هذه القراءة على تصور مفاده أن وجود الآثار في المتاحف العالمية، بعيدا عن بيئاتها الأصلية، أفضل من تعرضها للتدمير والتفجير والهدم على غرار ما حصل في العراق عام 2003 أو عام 2014، أو ما حصل في سوريا مؤخرا، أو ما تعرضت له تماثيل بوذا في باميان في مارس 2001 من قبل طالبان قبل ذلك. تتكئ هذه القراءة أيضا على أن الآثار واللّقى الأثرية تكون معرضة للسرقة والبيع والمتاجرة، أو للتحطيم، وإن نجت من كل ذلك فهي معرضة للإهمال والتلف حتى وإن أودعت في متاحف محلية، ويكفي الاطلاع على وضع متاحفنا ومواقعنا الأثرية ومعالمنا الدينية والحضارية للتأكد من ذلك.

في المقابل تعتمد القراءة الثانية على أن الآثار والمعالم والوثائق المنتشرة على كامل الفضاء العربي الإسلامي، فضلا عن تلك المودعة في المتاحف والمواقع المصنفة من قبل اليونسكو، لا تمثل شيئا مقارنة بما تكتظّ به المتاحف العالمية، أو ما يحتفظ به بعض هواة جمع الآثار. ذلك أن المنطقة تعرضت، بالتوازي مع الأحداث والمنعرجات التاريخية التي مرت بها، إلى عمليات متواترة من نقل الآثار أو سرقتها أو شرائها ممن لا يملكون أهلية بيعها، وهو ما عدّ ضربا من “اختلاس” تاريخ المنطقة، بل وُظف في بعض المراحل لإعادة صياغة التاريخ خدمة لمنطلقات أيديولوجية، وليس من قبيل المصادفة أن تسرق لوحة الأسر البابلي وتهرّب خارج العراق عام 2003 تزامنا مع ساد بلاد الرافدين يومئذ من فوضى وتحلل أمني.

جدير بالذكر في هذا الصدد أن كتابات عديدة تحدثت عن عملية سرقة، خلال الغزو الأميركي للعراق، للوحة السبي البابلي التي أشرنا إليها و80 ألف وثيقة من الرقم الطينية بالكتابة المسمارية وهي أقدم وأكبر مكتبة لدراسة حضارات العالم القديم، فضلا عن نحو 24 ألف قطعة أثرية متنوعة، تم جمعها من آلاف المواقع العراقية التي تعود إلى حضارات العراق القديمة بدءا من حضارات ما قبل التاريخ، مرورا بالحضارات السومرية والآشورية والبابلية والإسلامية.

شواهد الحضارات هي مسؤولية إنسانية، يجدر أن تبقى في مواقعها وبيئاتها كشاهد على حضارات ازدهرت وأفلت
بديهي القول بأن وضع الآثار في أي بلد يتأثر بالأوضاع السياسية والأمنية القائمة فيه، ولذلك تطلق الهيئات الأممية ذات الصلة بقضايا التراث والتاريخ والآثار (على غرار منظمة اليونسكو وغيرها) صيحات فزع تنادي بحماية التراث الإنساني، حصل ذلك مع ما تعرضت له مخطوطات تمبكتو الإسلامية النادرة في يناير 2013 من عمليات حرق من تيارات متطرفة تقرأ التاريخ بقواعد الفقه، أو ما تتعرض له آثار نيجيريا المسيحية من مدافع بوكو حرام وغيرها من الأمثلة.

نخلصُ إلى أن القراءة الأولى تنطلق من أسس تاريخية، والثانية تتكئ على منطلقات سياسية، والثابت أن القراءتين على تناقضهما، تبتغيان المحافظة على تراث الإنسانية.

صون الآثار في مواقعها يفترض حمايتها من هوج التشدد ومن الإهمال ومن عتاقة المؤسسات المنوطة بمهام الإشراف عليها. وحفظ آثار المنطقة يفترض أن ينقّى من الأبعاد السياسية والأيديولوجية، وأن يسند بترسانة من القوانين المحلية لحماية الآثار من السرقة والإهمال والإتلاف، فضلا عن ضرورة تعديل اتفاقية اليونسكو وتحيينها لحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي لعام 1972، والتي تنص على إمكانية استرداد الآثار المسروقة أو المنهوبة، لكنها لا تطبق بأثر رجعي أي أنها لا تنسحب على الآثار التي تم نقلها إلى الخارج قبل ذلك التاريخ.

للقضية أبعاد عديدة متداخلة، سياسية وتاريخية وقانونية، فضلا عما طرأ مؤخرا من مفاعيل صعود التشدد الديني في غير مكان. تشدد زاد من عسر صون البشرية لذاكرتها وتراثها.

والخلاصة أن شواهد الحضارات هي مسؤولية إنسانية، يجدر أن تبقى في مواقعها وبيئاتها كشاهد على حضارات ازدهرت وأفلت، أو تنقل إلى حيث تحترم وتصان، لكن الأمر لا ينسحب على كل الآثار، إذ يستحيل نقل آثار بضخامة تمثال أبو الهول أو الأهرامات، وهو ما يجعلها عرضة للإرهاب بأثر رجعي، وهو كذلك ما يجعل مسؤولية حمايتها واجبا إنسانيا يتحقق من خلال تضافر كل الأطراف المسؤولة، وباستنفار كل الوسائل القانونية والسياسية وحتى العسكرية.

Bookmark and Share


تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع الفرات الإخباري بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع الفرات الإخباري علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
عدد التعليقات : 0
لا يوجد تعليقات


اضافة تعليق :
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :