21-02-2019 10:24 مساءً

عراق الوطن


نخلة عراقية قتلها عطش الغربة والمنفى

عدد القراء : 15969

جمعة الحلفي

8
نخلة عراقية قتلها عطش الغربة والمنفى

03-12-2014 11:50 AM


تميزت حركة التجديد في الشعر الشعبي العراقي بخصائص عدة، فنية وجمالية وتكنيكية، جعلت منها ظاهرة ثقافية راسخة. فمنذ أن غادرت القصيدة الشعبية تلك الأجواء الضيقة في موضوعاتها وأطرها الفنية البسيطة، التي قيدتها قروناً عدة، وانطلقت في أفق الكتابة الحرة شعرياً وفنياً، بدأت في بلورة ومراكمة أسباب نجاحها وتكريسها نمطاً كتابياً رفيعاً، سرعان ما احتل موقعه المؤثر في عالم الكتابة الإبداعية والشعرية خاصة إذا كانت المساهمة الريادية لعدد من المبدعين، من أمثال مظفر النواب وعريان السيد خلف وعزيز السماوي وشاكر السماوي وكاظم الركابي وطارق ياسين وعلي الشباني وسواهم.
قد كرست حداثة القصيدة الشعبية وفتحت الآفاق أمام انبعاثها كقصيدة جديدة رصينة البناء في معالجة موضوعاتها الفنية والإنسانية، فقد كان لمساهمة الأجيال التالية من المبدعين الشباب، قصب السبق في ترسيخ أقدام هذه القصيدة وفي استكمال خصائصها الفنية والحداثية، مثلما كان لهم دورهم في تكريس شعبيتها وشيوعها، ليس في العراق وحده بل وكذلك في البلدان العربية الأخرى، حيث وجد المتلقي العربي في هذه القصيدة أجواء ومناخات وموضوعات كتابة تتجاوز، في ثرائها وقوتها وتأثيرها، كل ما تراكم في الذاكرة عن أشكال وطرق الكتابة الشعرية الشعبية في البلدان العربية الشقيقة الأخرى. ولهذا فقد ترك عدد من الشعراء الشعبيين العراقيين، ممن عاشوا خلال العقدين الماضيين، في المنافي، أثراً ملحوظاً في الأوساط الثقافية العربية أسس وعزز من روابط العلاقة الإبداعية بين القصيدة الشعبية العراقية والمتلقي العربي. وهي علاقة كانت ولا تزال أشبه بالتذكار الذي لا يمحى. ومن بين عدد ليس بالقليل من الشعراء الشعبيين الذين عاشوا في المنفى كان للشاعر الراحل عزيز السماوي حضور مميز على الساحة العربية، خاصة في الجزائر التي عاش وعمل فيها سنوات عدة.

رصاصة المنفى
لقد كتب عدد من النقاد الجزائريين والعرب مقالات ودرسات عدة تناولت قصيدة السماوي بالنقد والتحليل كقيمة إبداعية ثرة، عادين هذه القصيدة أنموذجا متقدما للشعرية العربية المتجسدة بالمحلية العراقية. هنا استذكار للشاعر الكبير الراحل عزيز السماوي: رصاص المنفى الغادر في أيام السبعينات، كان عزيز السماوي يردد دائماً، أنه كلما سمع إطلاق نار، يتحسس موقع رصاصة في جسده. ولم يكن مغالياً أو خائفاً، ففي تلك الأيام كان إطلاق النار في العراق، لأغراض الاغتيال خاصة، كثيراً ومألوفاً، وكان عزيز مستهدفاً مثل كثيرين من مبدعي ومثقفي وسياسيي العراق. وقد رحل ووشم تلك الرصاصة الطائشة محفور في روحه. لقد مات عزيز السماوي برصاصة المنفى الأشبه برصاصة الرحمة. وعزيز السماوي ليس شاعراً آخر يموت في المنفى، بل نخلة عراقية قتلها عطش الغربة والنفي. مات عزيز غيلة وكمداً، ومن يعود إلى شعره سيتأكد من هذه الحقيقة . فقد كان يكتب شعره بعصارة القلب وبوجع الغريب المجروح طولاً وعرضاً، وكان يحاول دائماً ترميم الأشياء من حوله، (من حولنا) الأشياء الكثيرة المنكسرة والمتهدمة في روحه، (في أرواحنا) الأشياء التي علاها الصدأ أو طاولها النسيان أو غادرها البريق. كان جلاءً كبيراً لمعادن البطولات الغابرة، والمواقف الإنسانية الأثيرة، والشخصيات النادرة، والأماكن الأليفة، وصفاء السرائر، والقلوب المشبوبة بالعواطف والقيم النبيلة. لهذا كان يكتب بعاطفة عميقة عن هذه الأشياء. فكتب عن البصرة، لا كمدينة أحبها وعاش فيها وله من أهلها أصدقاء وزملاء وذكريات، حسب، بل كتب عنها كأم من لحم ودم، يتذكر حنوها وطعم حليبها وحزنها، ويتوجع لوجعها المديد: البصرة ليل ونجم خايف البصرة فانوس إنطفى بليل الصرايف البصرة صحوة حلم واسرار البصرة ليل وشمس آذار البصرة موقد جمر يخضر بالظلام أسرار البصرة حصير وكوز للماشي بدرب أخطار البصرة وسط الكلب كل العمر خطار.

نقاء السريرة
وليست البصرة وحدها، من منحها عزيز السماوي هذا الحنو، بل بغداد والسماوة والديوانية والحلة، وسواها من المدن العراقية، التي كانت بالنسبة له، لا مجرد مدن مبنية من الطين والطابوق، إنما علامات محفورة في الروح ومشغولة من زمن وأشواق ونهارات وأقمار وبطولات وشجاعات وعشق لا ينتهي ولا يتوقف. الباحث عن نقاء السريرة ومثلما هي المدن، محالة في نصه الشعري، إلى نبض حي يجري في العروق والأوردة، كذلك هم الناس، أصدقاء، وشعراء، وأصحاب سيّر بطولية، فقراء وشرفاء، يحالون، دائماً، إلى البهاء والصفاء الروحي وقيم البطولة والنبل والشهامة. فهؤلاء، بالنسبة لعزيز، مشاريع تغيير محتملة ودائمة، من حياة ناقصة ومثلومة وثقيلة الوطأة، إلى حياة أفضل وأجمل وأبهى. لقد أعطى عزيز السماوي للشعر الشعبي العراقي، وهو من أبرز مجدديه، نكهة خاصة، وخاصة جداً، فهو لا يشبه أحداً في كتابته للقصيدة ولا أحد كان يشبهه في ذلك. وخصوصية قصيدته مستمدة من وعي عميق بدلالات اللغة الشعبية (المحكية) ومخزونها الغني المكتنـز بالإيحاءات والصور والإحالات والظلال، وكل ماله صلة لصيقة بيوميات الناس وهمومهم وتعبيراتهم وتأملاتهم الوجدانية. لهذا تبدو قصيدته متصلة، تمام الاتصال، بموضوعتها الإنسانية، الجمالية والفنية، مثلما تبدو متفردة بتقنيتها وبلاغتها وصورها. قصيدة تشبه نبتة متوحدة في غابة الشعر.
تجسيد الصورة الشعرية جسديا ولم أصادف شاعراً يستخدم جسده وأصابع يديه وعيونه وتنويعات صوته، في تجسيد الصورة الشعرية، مثلما يفعل عزيز السماوي ذلك حين يقرأ قصائده. وما يضفي على هذا الاستخدام نوعاً من المشهدية المؤثرة، قيامه بتجسيد حركة الجسد واليدين والأصابع وتجهم الوجه وانفراجه، تبعاً لحركة وإيحاء الصورة الشعرية، تساعده في ذلك طريقته المدهشة في قراءة شعره، قراءة ممسرحة تضفي على أجواء القصيدة طقساً خاصاً يعمّق من أسئلتها وإيحاءاتها الجمالية. وقد تمكن الفنان التشكيلي المبدع فيصل لعيبي، وهو من أقرب أصدقاء عزيز وأكثرهم اهتماماً بشعره، من التقاط هذه الخصوصية، خصوصية تجسيد الصورة الشعرية جسدياً، فوضع سلسلة مدهشة من التخطيطات، نوّع فيها على حركات الجسد وتشظياته في لحظات ضعفه وقوته وفرحه وحزنه، جسدت، هي الأخرى، قصيدة عزيز في لحظة قراءتها. (وقد ضم ديوان أغاني الدرويش الكثير من هذه التخطيطات).

Bookmark and Share


تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع الفرات الإخباري بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع الفرات الإخباري علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
عدد التعليقات : 0
لا يوجد تعليقات


اضافة تعليق :
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :