عراق الوطن


مقهى البلدية في الكاظمية (كهوة الحاج صادق)

عدد القراء : 17621

8
مقهى البلدية في الكاظمية (كهوة الحاج صادق)

22-08-2014 07:00 PM

الفرات -


تعد المقاهي فِي المجتمع البغدادي والكاظمي ذات اهمية اجتماعية وثقافية وتجارية في أحيان كثيرة حيث يلتقي فيها التجار والموظفون ووجهاء القوم وعليتهم، إضافة إلى المتقاعدين وكبار السن وبعض العاطلين عن العمل لقضاء الوقت ولم تعرف المقاهي في السابق أي وجود لصغار السن والمراهقين حيث كانت التقاليد لا تسمح بتواجد هذه الأعمار في المقاهي على عكس ما نراه اليوم، ارتياد الشباب والمراهقين وتعاطيهم شرب (النركيلة) التي كانت حكراً على كبار السن والختيارية، قهوة الحاج صادق والتي اشتهرت بتسمية مقهى البلدية لتواجدها بالقرب من دار البلدية وكذلك لقربها من مركز شرطة الكاظمية، لذا كان يرتادها المحامون والموظفون والمتقاعدون ووجهاء البلدة كانت على شارعين لها ستة أبواب مفتوحة صيفاً وذات قواطع خشبية متحركة زجاجية تغلق شتاءً، اتقاء البرد والمطر، يرتاد هذه المقهى اضافة لما ذكرنا وجهاء عوائل الكاظمية مثل آل شمارة وآل العكيلي وآل عطية وآل الجمالي وآل الملاك وآخرون اصحاب مكانة اجتماعية ووجاهة، شيدت هذه المقهى وفق الفن المعماري البغدادي من الطابوق الجفقيم وكان صدر المقهى يحوي وجاغ على جانبيه وفوقه رفوف طويلة يمنة ويسرة الى اعلى السقف مزينة بالسماورات والقواري وقواعد الناركيلة ذوات الالوان البهيجة التي تسر الناظر تحتوي على الانتيكات القديمة وعليها صور شاهات ايران والملوك وبعض القياصرة. هذه المقهى هي الاولى التي أدخلت التلفزيون في الزمن الملكي يوم لم يكن أحد قد حاز هذا الجهاز أو أدخله في بيته غنياً كان او متوسط الحال لذلك كنا نحن أبناء الكاظمية وخاصة باب الدروازة والشيوخ نجتمع في المساء لمشاهدة هذا الجهاز الذي استولى على الالباب. هذا الجهاز الذي وضعه الحاج صادق في مؤخرة المقهى وعند العصر يبدأ بتغيير القنفات ليضعها على شكل صفوف ما يقارب العشرة أمام جهاز التلفزيون وبهذا العمل تم كسر ما متعارف عليه حيث أخذ الشبان والمراهقين يتوافدون إلى المقهى من الساعة الخامسة عصراً، وقبل حلول هذا الجهاز كانت المقهى محرمة على هذه الاعمار. يذكر الصديق (صلاح ابن الحاج سلمان الخياط) وكان في عمر المراهقة في الخمسينات أنه ومجموعة من أفراد المحلة اعتادوا الحضور عصراً لمتابعة مسلسلات (الكونت دي مونت كرستو) و (الوردة الحمراء) وبرنامج (القراقوز) الذي كان يقدمه طارق الربيعي وأنور حيران كذلك التمثيليات العراقية التي كان يقوم بدور المرأة الممثل عبد الجبار عباس لعدم وجود ممثلة في ذلك الوقت، وعند حدوث الجلبة والصياح نتيجة أحد المسلسلات المشوقة يضطر الحاج صادق الى غلق التلفزيون وإخراج هؤلاء الفتية لأنهم أخذوا يؤثرون على الجالسين، يقول الكاتب صلاح الدين سلمان: كنتُ أنا أخرج الى الساحة الأمامية المقابلة للمقهى والتي كانت سابقاً حديقة وأضحت ساحة وأجمع الحصو وأقوم بضرب زجاج المقهى وتكسيره احتجاجاً على غلق التلفزيون، فيضطر الحاج صادق الذهاب صباحاً الى والدي الخياط سلمان يشكوا إليه أفعالي، وبعدها يضطر الحاج صادق الى التجاوز والسماح لي بدخول المقهى مساءً ليدفع الشر والحصوا عن المقهى، علماً أنه في الصباح لايجرأ أحد منا على دخول المقهى حيث لا يسمح العرف بتواجدنا لوجود كبار القوم وهكذا تمر السنون وتأتي ثورة تموز ويلقى القبض على فاضل الجمالي وكان متخفياً بالعقال والدشداشة كما ظهر على شاشة التلفزيون ولتبدأ محكمة الشعب بالمحكمة وأذكر أن المهداوي وبخ الجمالي لمهاجمته عبدالناصر في معرض الدفاع عن الماسونية وكون عبدالناصر أحد الماسونيين قائلاً له: لا تمس سيارة الرئيس عبد الناصر فأجابه الجمالي: ستثبت لكم الايام من هو عبدالناصر. وتلك أيام لا تنسى من أيام قهوة الحاج صادق. وأخيراً جاء يوم 8 شباط ولبست الكاظمية السواد ودارت المعارك واشتدت المقاومة ووقف الكاظميون مع ثورة تموز دفاعاً عن زعيمها لكن الهجمة كانت أكبر والقوة العسكرية التي دخلت المدينة بدباباتها وآلياتها وعددها كانت اكبر من المقاومة ولم تصمد الكاظمية سوى 48 ساعة، في صباح ذلك اليوم الاسود صعد الحاج صادق إلى سطح منزله القريب من المقهى وبيده الناظور ليتابع قصف الطائرات الحربية لوزارة الدفاع وإذا بأحد الحاقدين رمى الحاج صادق برصاصة في الرأس فخر قتيلاً شهيداً ولم تبق المقهى بعده إلا فترة قصيرة حيث كان يقوم بإدارتها خلفه (مختار)، ليسدل الستار على المقهى ولتصبح بعد ذلك مقراً لشركة التأمين الوطنية. وحالياً مطعماً كبيراً لزوار الامامين الكاظمين يديره السيد ابراهيم جعفر آل اعطيفة..

Bookmark and Share


تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع الفرات الإخباري بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع الفرات الإخباري علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
عدد التعليقات : 0
لا يوجد تعليقات


اضافة تعليق :
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :