06-04-2020 02:33 مساءً

عراق الوطن


ساحة الميدان .. من يعيد إلى قلب بغداد نبضاته ؟!

عدد القراء : 13865

داود الزبيدي

8
ساحة الميدان .. من يعيد إلى قلب بغداد نبضاته ؟!

11-07-2014 04:00 PM

الفرات -


قبلَ ايام شدني الشوق الى ان اذهب الى شارع الرشيد ، فمررت بساحة الميدان ، هذه الساحة التي تعتبر واحدة من اهم معالم بغداد ومركز وصل بين شارع الجمهورية وشارع الرشيد ، كانت سابقا جميلة جدا تزهو بمقاهيها ومقتربات شوراعها الصغيرة المزدحمة بباصات نقل الركاب الحمراء ذي الطابق و الطابقين وباصات نصر المصرية وباصات ايكاروس المجر ( الهنكارية ) الطويلة وكـــان يسمونه العراقيون بلأكورديون لانها تشبه الات اللاكورديون وان للبغداديين ذكرياتهم الخاصة بتلك الباصات ، ويعود تأريخ النقل العام في العراق الى زمن الوالي مدحت باشا عندما اسس شركة يتم النقل فيها بواسطة عربات التراموي التــي كانت تجرها الخيول وفــي عام 1938 قامت الدولة العراقية بأستحداث دائرة للنقل العام (سميت بمصلحة نقل الركاب) مرتبطة بامانة بغداد هذا وبالاضافة الى ان قليل من عواصم العالم تمتلك مثل هكذا باصات ، وساحة الميدان جاءت تسميتها منذ زمن الدولة العباسية حيث تم تأسيسها على مقربة من قصور الخلفاء لاتخاذها ملعبا لاداء لعبة الصولجان، كما ان هناك اشارة اخرى تقول ان هذه الساحة حولت في زمن الدولة العثمانية الى مكان لتدريب الجيش ومكان لتنفيذ احكام الدولة بقطع اعناق المحكومين بعد اداء الصلاة في كل جمعة ، فيما تدعي بعض المصادر ان الساحة يعود انشاؤها الى القرن التاسع عشر نسبة الى شاعر يدعى عمر الميداني الذي كان كثير التردد عليها، كما انها كانت ملتقى الاصدقاء والاحبة، وهي محطة ومنطلق حركة الباصات التي تلف ارجاء بغداد كرخ ورصافة في زمن قياسي دون ان ترهق جيب المواطن ماديا وان من اجمل مافيها عندما تصعد تجد عبارة ممنوع التدخين فيها حفاظا على الذوق العام والبيئة الصحية، وكان مروري بها وقد تجاوزت الخمسين من العمر، لم ادرك أن الزمن يمر بهذه السرعة، تزاحمت الذكريات عندي وعادت بي الى عقد الثمانينات عندما كنت طالبا في الاعدادية المركزية، تذكرت تلك الاماكن التي كانت محطة انتظارنا واستراحتنا قبل وقت الــدراسة، التفت يمينا لارى مـاذا حل بكنيسة ام الاحزان هذه الكنيسة التي كان يقصدها كل من له حاجة او ضـائقة من مسلمين ومسحيين وغيرهم فقد انزوت خلف عمارات عالية لم استطع الوصول اليها لارى هل مازالت تنام على حزنها ام اصبح الحزن خالدا فيها، ويذكر ان هذه الكنيسة شيدت في عام 1843 وهي من اقدم الكنائس الموجودة حاليا والمؤهلة للصلاة والعبادة بالرغم من ان المسيحية دخلت الى بغداد نحو العام 150-200 للميلاد، حاولت ان ابحث عن مقهى البلدية التي كانت ملتقاي واصدقائي لم اجد منها اية اطلالة، ومقهى البلدية كانت تسمى مقهى وهب وتقع في محلة البقجة وهي عبارة عن حديقة صغيرة وكانت مكانا لرواد الصحافة ورواد المقام العراقي يظهر انها ازيلت وشيدت على انقاضها بناية اخرى وشمالا كانت هناك مقهى الشمال وهي الاخرى قد اندثرت، بحثت عن طوب ابو خزامة الذي كان متربعا في وسط حديقة الميدان الصغيرة لعقود خلت لم اجده و اين حل به الدهر وان لهذا الطوب حكايات وروايات كثيرة لدى الامهات البغداديات حيث كانوا يعتبرونه من الاماكن التي لها شبه قدسية خرافية مضحكة وقد عبر عنه الشاعر الملا عبود الكرخي رحمه الله بقوله الممزح. (الى طوب ابو خزامة انا اشهد هذا شارته عند الطرن باليد، واليطلب مراد يشد خيط اسود.. بيه احمر واصفر يشبه الزرزور) رغم هذه الاعتقادات الا انه لايتعدى عن كونه جثة حديدية هامدة على الارض ، وهو مدفع كان السلطان العثماني مراد الرابع عند مغادرته بغداد عام 1639 قد ترك فيها احد مدافعه الثقيلة باب القلعة حينذاك اي مبنى وزارة الدفاع حاليا.
مازلت اعيش تلك اللحظات وأسائل نفسي اين اصدقائي وزملاء دراستي، ماذا حل بهم وهل ماتوا بالحروب القذرة ام قتلتهم الايادي الخبيثة، ادركت انه لاشيء باق سوى الذكريات، قارنت بين اليوم والامس، بالامس كانت هذه الساحة منارا للوافدين الـى بغداد من المحافظات والبلدان، واليوم اراها تعيش حالة من الاهمال متحولة من معلم الى مرتع للنفايات والاوساخ ومأوى للمتشردين، متعبة وجوههم البستهم رثة فاقدين عقولهم من حبوب الكبسلة او احتساء الخمر، نظرت الى ابنيتها المتهرئة واستذكرت ان في هذه الابنية غنت بها كوكب الشرق ام كلثوم عام 1936وكبار فناني العرب اذا كيف كان الرقي والحضارة بتلك المنطقة في ذلك الوقت، سارت بي اقدامي واذ بكازينوا كنت قــــد عشقتها ايام شبابي انها كازينو ام كلثوم وجلست فيها مستذكرا بها جزءا مــــــــن حياتي واذا باغنية (رق الحبيب وواعدني وكان لو مــــــدة غايب عني) وانا منشد في تلك الاغنية كنت اتمنى لو ان صاحب المقهى يعرف لماذا قدمت لــــــــها ويسعفني بأغنية (ذكريات عبرت افقا خيالي بارق يلمع في جنح اليالي، نبهت قلبي من غفوته وجلت لي ذكرى ايام الخوالي) ان هذا المقهى تأريخ ومعلم بحد ذاته والمقهى الذي مايزال يحافظ على اناقته اسسها المرحوم الحاج عبد المعين الموصلي وهو من المتأثرين والمشجعين لها وقــــد حضر الكثير من الحفلات لها، ومن يدخل المقهى يجده كأنة متحف صغير من الصور التي تغطي جــــدرانه أنها صور الراحلة ام كلثوم، كان يرتاد هذا المقهى كبار الفنانيين لاسيما محمد القبانجي ويوسف عمر وجواد سليم وفائق حسن وغيرهم مـــن الفنانين، ما ان تركت المقهى امتارا حتى واجهتني مقهى اخـــرى واجهتها جميلة يظهر ان اصحاب المقهى قــــد استطاعوا المحــافظة على جماليته، وهو مقهى ليس بكبير ولكن اسمه اكبر، انه مقهى الزهاوي انشأ هذا المقهى عام 1917 وكان اسمه الاول مقهى امين واستبدل اسمه بالشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي تكريما له وكان ملتقى للادباء والسياسين والشعراء والسواح العرب والاجانب وكبار الاعيان امثال الشاعر الرصافي والجواهري والزعيم عبد الكريم قاسم وفاضل الجمالي وعلي الوردي واحمد سوسة ونزار قباني واحمد رامي وهناك قول ان الشاعر الزهاوي قد استقبل في تلك المقهى شاعر الهند الكبير (طاغور) عام 1932 ،ان في هذه المنطقة الصغيرة الكبيرة، مئات المعالم والصور والشخصيات التي اندثرت بسبب الاهمال واعمال العنف الطائفي الممقوت، ولكي لا اطيل سأكمل ماشاهدته وقراءة عنه في مقالات اخرى، فقط حاولت في هذا السرد ان اجد مبرارا لما كانت عليه تلك المنطقة بين قمة الامس وانهيار واندثار اليوم، سافرت الى بلدان عدة ووجدت ان من اولى الامانات للحكومات هو المحافظة على تراث امتهم وصيانته فهو كنز وحياة للاجيال وهو سفرهم الخالد..

Bookmark and Share


تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع الفرات الإخباري بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع الفرات الإخباري علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
عدد التعليقات : 0
لا يوجد تعليقات


اضافة تعليق :
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :