25-04-2019 09:33 مساءً

مقالات


إسلاميو الحكومة وأنفاس الموتى

عدد القراء : 8015

بقلم: عبد اللطيف الحرز

8
إسلاميو الحكومة وأنفاس الموتى

08-01-2012 01:54 PM

نتيجة لانعزالية الحوزة والانسحاب من الحياة العامة بعد قرار الميرزا النائيني إحراق كتابه 'تنبيه الأمة'، ونتيجة لمحاربة الأحزاب القومية للحوزة، تمتعت الحوزة بهالة من القداسة غير المحدودة، قداسة الأسرار وإغراءات الحياة السرية. عندها دخل جيل من الأيتام والمشردين الى مدينة 'قم' الإيرانية ليجدوا أن التعويض الوحيد لهالة الآباء المقتولين في انتفاضة شعبان 1991، والمعزولين في السجون او مخيمات رفحا السعودية هي هالة الكتب التراثية القديمة، كتب كان حزب البعث قد حولها الى وثيقة اعتراض سياسي يستحق العقاب كل بيت يحتوي على أحدها. هكذا باتت الكتب في كفة تساوي ثقل الموت في الكفة الأخرى، فتمتعت الكتب القديمة بهيبة الغموض الذي كان حكِراً على الموت.
فجأة باتت هذه الكتب معروضة على أرصفة الشوارع بعدما تحول الإنسان الى وثيقة معارضة نتيجة وجوده في بلدٍ مثل إيران.. إيران المحروسة بأدخنة حرب الحاضر وأعجمية الماضي.
أكثر ما حرصت عليه كتب الحوزة، ككل كتب التراث الديني، هو منح اليقين، وهو ليس أي يقين وإنما ذلك اليقين الحديدي الأرسطي الذي لا يكتفي بوصف المحمول للموضوع وثبوته له، وانما استحالة انفكاك أحدهما عن الآخر. انه يقين يتجاوز أية معادلة رياضية. انه يقين لا يعترف بكل ملابسات النفس الإنسانية للمجتمع العادي فكيف بإنسان يتيم ومعزول وجائع ومشرد على أرصفة الشوارع وحدائق الأضرحة المقدسة.
كيف كنا نحتظن تلك الكتب بسعادة؟! يتساءل جملة من مجايلي تلك التجربة. وأعتقد أن سبب السعادة رغم الملابس الرثة والأحذية الممزقة والبطون الخاوية، ان هذا الجيل وجد نفسه كبيراً على حين غرة. لقد امتلك ما حُرم منه آباؤه واخوته الشهداء او السجناء. صبيان يتصفحون ويتدارسون كتب محمد باقر الصدر والإمام الخميني والشهيد مطهري بلا خوفٍ من أحد. ثمة شعور انهم يتصفحون وثائق ملطخة بدماء المُعذّبين والشهداء. صبيان يلجون مخدع السّر وهالة القداسة، الحوزة التي حوّلها حزب البعث بطريقته الغبية الى عنوان من عناوين الهوية، بل لا معنى للهوية العراقية بدونها وتلك مشكلة غذاها البعث وطوقته، وسوف تكون مشكلة معقدة بعد سقوطه ايضاً.
كنا إذن شباناً نحمل اليقين الأرسطي غير المتسامح، يقين يثقل ألوف الصفحات التي وجدنا بعضها مطبوعاً بطريقة عجيبة تسمى 'طبعة حجرية' حيث الحروف موزعة على شكل دوائر ومثلثات بحيث انك تدير الكتاب أكثر من تدوير مقود السيارة، لكن بدون إشارات ضوئية وشوارع مُعبّدة.خارج الكتب كان كل شيء يهتز والتشكيك يعم حتى الهواء. فالحوزة كانت منكمشة نتيجة انتقادات عبدالكريم سروش التي لم تجد لها جواباً حتى اليوم، كما أن الحوزة باتت فاقدة الصواب نتيجة انتقادات محمد عابد الجابري ومحمد اركون، وصدمتها بانتقادات أحد أساتذتها المعاصرين 'أحمد الكاتب'. وتراث محمد الصدر ومحمد حسين الطباطبائي ومطهري، لم يعد ميزة يحصل بها المعممون على التبجيل المطلق، فهناك مجلات وصحف عراقية قائمة على المثقفين وليس على المعممين. لقد وعى هؤلاء الشبان أن مقولة مثل 'فلسفتنا' مقولة تحمل صخباً سياسياً لمعمم كان يريد الشهادة، فهي إذن جزء من تاريخ مرحلة، جزء من صراع بين أطراف، كلاهما بات غائباً. وهي بالتالي ليست مقولة معرفية صالحة لأن تكون مبتدأً او خبراً يمكن توظيفها في مشاركة ثقافة راهنة. لم يوافق هؤلاء على تقييم حسن حنفي لها بكونها جزءاً من علم الاستغراب، فهذه 'النحن' أكثر من فلسفة وأكثر من فكر. ان ضمير 'نا' في عبارة محمد باقر الصدر لم تكن جزءاً من حل بالنسبة لهذا الجيل الجديد وانما جزء من مشكلة، مشكلة الهوية العراقية بين تيارات إسلامية تأسست خارج العراق وبأيدٍ ليست عراقية. هذا الجيل عكس مقولة محمد باقر الصدر تماماً. فالصدر كان يتمنى أن يكون واعظاً صغيراً في قرية إيرانية نائية. بينما هؤلاء لم يقبلوا مقولة الوعظ واستبدلوها بالنقد. هو كان يرى الخلود في منهج الاستشهاد لقضية إسلامية عامة، وهم يرون أن الخلاص في إعادة قراءة القضية العراقية بكونها جزءاً من خارطة العالم لا بكونها جزءاً من قرية منسية في الريف الإيراني.
في ثاني اجتماع للبرلمان العراقي في العام 2005، كنتُ استمع لصراخ أحد السياسيين بالآخر: أنت لا تفهم شيئا (أنت لم تقرأ فلسفتنا للشهيد الصدر والميزان للعلامة الطباطبائي).. بالطبع لم يُجب أي أحد هذا المُستصرخ فقط واحد منهم تطلع الى مقبرة معروفة في النجف، همس مع نفسه بوجل: حتى الآن لم نُصف حسابنا مع الموتى.

المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر الفرات الإخباري

Bookmark and Share


تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع الفرات الإخباري بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع الفرات الإخباري علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
عدد التعليقات : 0
لا يوجد تعليقات


اضافة تعليق :
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :