29-03-2020 05:02 مساءً

عراق الوطن


من معالم بغداد المندثرة ... جامع الرَّوَّاس

عدد القراء : 26502

الدكتور احمد محبس الحصناوي

8
من معالم بغداد المندثرة ... جامع الرَّوَّاس

02-12-2012 12:48 PM

الفرات -




كثيراً ما كـُتِبَ عن بغداد ومعالمها المهمة ... والأكثر من ذلك ما أُهـِْملَ ولم يسلط عليه الاهتمام؛ فضاع ما بين امتداد المدينة واستحداثها السريع، وسوء التصرف في عمرانها، فبقيت تلك المعالم تشكو إهمال الباحثين لها، وبات من المتعذر على المهتم والباحث التعرف على تلك الشواخص وملامحها ودراستها، فأصبحت بمرور الزمن تتأرجح بين الشك واليقين، وبين شاخصة العمارة ومندثرة، وبين هذا وذاك ضاعت مؤسسات ثقافية ومنازل ومدارس ومساجد وتكايا ورُّبُط ... ومن هذه المعالم المندثرة (جامع الرَّوَّاس) الذي يوصل بعلم من أعلام التصوف والشعر في بغداد، وهو بهاء الدين محمد مهدي بن علي بن نور الدين آل خزام الصيادي الرفاعي الشهير بالرَّوَّاس؛ والذي يرتقي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهما السلام) . ولقب بـ(الرَّوَّاس) نسبة إلى مهنة امتهنها وهي بيع رؤوس الغنم المطبوخة (الباچة).
وقد لقب بهذا اللقب العديد من العلماء الذين سبقوه، كما يذكر ذلك السمعاني في الأنساب. ولد سنة (1220هـ/1805م) في سوق الشيوخ (قضاء ضمن حدود محافظة ذي قار في جنوب العراق)، باشر علومه الأولى في القرآن قبل التاسعة من عمره على يد (مُلاّ أحمد) وصفه بأنه (عبد من الصالحين) ، ولما بلغ التاسعة من عمره أصاب مدينته الطاعونُ فتوفي أبوه وأمه وبقي يتيماً فكفله خاله. في سنة (1235هـ/1819م) سار قافلاً إلى الحجاز فجاور مكة المكرمة سنة، والمدينة المنورة سنتين، فأخذ عن علماء الحرمين الشريفين العلوم، ثم ذهب إلى مصر لاستكمال دراسته الشرعية فنزلها سنة (1238هـ/1822م) وتلقى فنون الأحكام الشرعية عن مشايخ جامعِ الأزهرِ وبقي مقيماً في الأزهرِ ثلاث عشرة سنة . ثم عاد إلى موطنه العراق سنة (1251هـ/1836م) فقادته رياح التصوف سائحاً في الأرض لتأخذه رحلاته البعيدة إلى بلدان الجزيرة العربية وبلاد الشام وتركيا وفارس ومنها إلى أواسط آسيا وغربها وشمالها، ثم اتجه نحو أفريقيا فجال في مصر واثيوبيا والجزائر، وساح في غربي أوربا وشماليها وعواصمها، وطاف معظم مدن العراق فزار كردستان والموصل وسامراء وتكريت وراوه وبغداد وكربلاء وواسط والبصرة ومنها إلى مسقط رأسه (سوق الشيوخ)، وفي جولته الثالثة والأخيرة من السياحة في الأرض والبحث عن الذات اتجه نحو بغداد فاجتمع بالشيخ الصوفي عبدالله بن أحمد الراوي الرفاعي فسلك على يديه الطريقة الرفاعية. طاف الرَّوَّاس البادية والحاضرة واجتمع بعلماء أهل الأحوال الباطنة والظاهرة حتى لقبُ (بغريبِ الغرباءِ) لطول غربته في الأرض، وَعَدّهْ أصحاب الطريقة الرفاعية قـُطبُاً من الأقطاب الصوفية وغوثاً (من أعلى المراتب في المصطلح الصوفي)، سكن الرَّوَّاس بغداد في منطقة باب الشيخ (نسبه إلى الشيخ عبدالقادر الكيلاني)، وكان يلازم جامع حبيب (المنسوب إلى حبيب العجمي أحد تلامذة الحسن البصري الذي تنتمي أليه معظم الطرق الصوفية) بمحلة الشيخ بشار بالجانب الغربي، وعمل ببيع رؤوس الغنم (الباچة) ويقول : (واخترت بيع رؤوس الغنم أفعل ذلك لكيلا أكون كَلاً على أحد)، ويقول:(أنا القطب في دكيكين طبخي ، أنا الغوث في رثيث ثيابي)؛ ويذكر النسابة محمود فاضل الرفاعي السامرائي في كتابه (جناية الشايع) نقلاً عن عبدالحليم سليم السوري (حقق مجموعة من رسائل الرَّوَّاس) أنه في سنة (1393هـ/1974م) أخُذت شهادةُ امرأة من المعمَّرين سكنت منطقة فضوة عرب من باب الشيخ كانت تقول بأنها شاهدت الرَّوَّاس عندما كانت صغيرة وتضيف:(كانت أمي عندما أمرض تذهب بي إلى شيخ في محلتنا يبيع الباچة؛ فيرقي لي ..) . توفى الرَّوَّاس ببغداد يوم الأربعاء 3 رجب 29 أيلول-سبتمبر سنة (1287هـ/1870م) عن عمر ناهز السابعة والستين، وأخطأ بروكلمان في تاريخه عندما ذكر أن الرَّوَّاس توفى في اسطنبول، كما اعتقد البعض بأن الرَّوَّاس هو شخص موهوم لا وجود له، ولا أعتقد بأن من تبنى هذه الفكرة قد جاء بدليل ثابت، وما أراه أن الذين ذهبوا إلى هذا الرأي هو أما للمحاولة بالتنكيل بأبي الهدى الصيادي (المتوفى 1328هـ/1909م) الشخص المثير للجدل في أواخر العهد العثماني وأحد تلامذة الرَّوَّاس والذي أوصى له الرَّوَّاس بعدة من الوصايا حين اجتمع به ببغداد سنة (1283هـ/1866م) وفي مؤلفاته، أو كون الرَّوَّاس دخل في حوارات قد خطأت بعض رموز الشخصيات السلفية ما أثار الضغينة اتجاهه. للرَّوَّاس مؤلفات مهمة منها:(بوارقُ الحقائق- مطبوع) وهو سيرة ذاتية لحياته ورحلاته وأرائه كتبها بعد دخوله بغداد واستقراره بها، (رفرفُ العنايةِ - مطبوع) وهو أيضا سيرة ذاتية ورحلات في أوائل حياته، (طيُّ السجل - مطبوع) في الحديث، (فصلُ الخطابِ فيما تنزلت به عناية الكريم الوهاب- مطبوع) ، (برقمةُ البلبل - مطبوع) ، (الدرة البيضاء- مطبوع) ، (الحِكَمُ المهدويةُ الملتقطة من درر الأمدادات النبوية- مطبوع) ، (مشكاة اليقين ومحجة المتقين- مطبوع) ديوان، (معراج القلوب - مطبوع) ديوان، (فائدة الهمهم من مائدة الكرم - مطبوع) ديوان، (دلائل التحقيق لأرباب السلوك والطريق) وغيرها من المؤلفات المخطوطة، وتزخر هذه المؤلفات بمادة غزيرة من المصطلحات والرموز الصوفية التي تستحق الدراسة الأكاديمية وإلى الآن لم تـُدْرَسْ هذه الكتب بعناية، كما أن له شعراً صوفياً يزيد على مئة ألف بيت رقيق سلس رائع يجعله بمصاف الشعراء المتصوفة الكبار كأبي الحسن الششتري (المتوفى668هـ/1269م) ذلك الشاعر المغربي؛ وهي دعوه لدراسة هذا الشعر والاعتناء به . توفي الرَّوَّاس في الجانب الشرقي من بغداد ودفن في مسجد دكاكين حَبّوب الذي عرف فيما بعد بجامع الرَّوَّاس، وكان يقع هذا المسجد الصغير في محلة دكاكين حَبّوب بالقرب من رأس القرية التي تنسب إلى خمس دكاكين يمتلكها شخص يدعى (حَبّوب) ، ويمكن تحديد موقع هذه المحلة حالياً بين أمانة بغداد والسنك، وكانت هذه المحلة قائمة بذاتها إلا أنها تقلصت فيما بعد حتى عدها المساح والقائد البريطاني فيلكس جونس سنة (1262هـ/1846م) عقداً من عقود محلة المربعة، وفي أحدى الوقفيات تذكر أن (السيدة خديجة بنت عبدالله زوجة الحاج محمد جلبي الرواف، المؤرخة في 15 ذي الحجة (1236هـ/1820م) قد أوقف ثلاث بساتين خارج الباب الشرقي وداراً في محلة النقاشين في بغداد على مسجد صغير في محلة دكاكين حَبّوب ومساجد أخرى)، وبمساعي من أبي الهدى الصيادي جدد في عهد السلطان العثماني عبدالحميد الثاني (المتوفى:1336هـ/1918م) مسجد الرَّوَّاس سنة (1310هـ /1892م) وبنى على قبره زاوية ورباطا ومدرسة تكريماً له. وفي سنة (1373هـ/1954م) قامت أمانة العاصمة (أمانة بغداد) في العهد الملكي بفتح شارع رئيس يربط باب المعظم بالباب الشرقي موازياً لشارع الرشيد سمي بشارع الملكة عالية (نسبة إلى الملكة عالية بنت علي بن الحسين وزوجة الملك غازي) الذي أبدل اسمه إلى شارع الجمهورية ومن ثم إلى شارع الخلفاء (نسبة إلى جامع الخلفاء)، فعندما فتح هذا الشارع أصبح جامع الرَّوَّاس الذي فيه قبر السيد الرَّوَّاس في وسط الشارع ، فأجريت آنذاك مشاورات حول جعل المسجد بدائرة في وسط الشارع ولكن استقر الرأي فيما بعد على إزالة المسجد وحفظ أوقافه، ونقل رُفات السيد الرَّوَّاس ودفنه في جامع السيد سُلطان علي، فنقل رُفاته صباح يوم 14 شعبان سنة (1373هـ/1954م) وتم دفنه بجوار السيد سلطان علي، وسجلت هذه الحادثة بمحضر من قبل أوقاف بغداد وبحضور مفتي العراق الشيخ أمجد الزهاوي والشيخ نجم الدين الواعظ والشيخ عبدالقادر الخطيب إمام وخطيب جامع الإمام أبي حنيفة النعمان والشيخ كاظم الشيخلي إمام وخطيب جامع السيد سلطان علي وجمع من العلماء ومريدي وأتباع السيد الرَّوَّاس. وتوالى تجديد الضريح مع التجديدات التي أجريت على جامع السيد سلطان علي في سنة 15/ 4 /1995م وسنة 1999م . في سنة (1382هـ/ 1959م) أطـْلِقـَت وقفية جامع الرواس المزال فعوض عنه بجامع جديد في حي القاهرة بدل الذي أزيل وكانت تعرف المنطقة المشيد عليها الجامع الجديد بمنطقة خلف السدة (سدة ناظم باشا) من جانب الرصافة التي تعود ملكيتها سابقاً إلى حكمت سليمان (أحد رؤساء الوزراء العراقيين في العهد الملكي) والمشهوره ببزايز الصليخ؛ فخصصت القطعة المرقمة (7/1329مقاطعة 5)، وبمساحة 602,50 متر مربع، وبقيمة (ألف وخمسمائة وعشرة دنانير) . وعرف ذلك الجامع الجديد بجامع الرَّوَّاس وتم افتتاحه في يوم الجمعة1رمضان سنة (1384هـ/1964م) ثم أُضيفت له فيما بعد مكتبة ودار لإمام المسجد.ش

Bookmark and Share


تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع الفرات الإخباري بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع الفرات الإخباري علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
عدد التعليقات : 0
لا يوجد تعليقات


اضافة تعليق :
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :