21-02-2019 09:45 مساءً

عربي و دولي


سليم بركات… الكردي أسير اللغة

عدد القراء : 5447

جوان تتر

8
سليم بركات… الكردي أسير اللغة

12-10-2012 09:00 PM

الفرات -



الأدب الكردي ظل يبحث عن مكان تحت الشمس لعقود طويلة، ونظرا لعديد الأسباب لم يستطع اقتحام المشهد الثقافي العالمي، فبقيت آثاره غير واضحة، ومازالت ملامحه تشق الطريق ببطء ولكن بثبات.

في قصيدة مهداة إلى الشاعر الكردي السوري المقيم في السويد سليم بركات يقول الشاعر محمود درويش:'ليس للكردي إلا الريح'. هكذا قال محمود درويش الفلسطيني صديق سليم بركات الكردي.

وهما رفيقا الدرب ويشتركان معا في تاريخ متشابه. فلسطين حيث الشتات، والأكراد وتبعثرهم مع الرياح العاتية. ربما لأن الوجع الكردي هو ذاته الوجع الفلسطيني في البحث الدائم عن حضن دافئ يعوّض جنَّات المدن المنهوبة والممسوسة بغبار الاحتلال.

كتبت ماسبق بغية أن أوضّح أن الشعر المكتوب في بلد غير بلد الشاعر يبقى شعرا ذا نكهة وبريق خاصين، هذا حال الشعراء الأكراد الذينَ يكتبون في بلدان هربوا إليها من جحيم البقاء في بلدهم المنهوب ولغتهم المنهوبة المحظورة.

كثير من الشعراء الأكراد السوريين هاجروا مناطق إقامتهم ليعيشوا في شتات أرهق أقلامهم وأجسادهم الرقيقة، للشعراء أجساد رقيقة، عظام هشّة رققَها الشعر، يفكرون بلغة ويكتبون بأخرى ويعيشون في بلدان ليست بلدانهم.

الشعر مكتوب بغير لغة الشاعر، مكتوب بلوعة قديمة، لوعة أن يكتب الشاعر بلغته دونما رقيب يمنع أو مدقق يصحّح التواريخ ويضيف ماتمليه ذاكرة 'المنع' .

للكردي في كتابته سيرة الفاقد للغته، سيرة الوطنِ الخيالِ. وطن موجود وأرض ملموسةٌ، لكن لا إحساس في أّنه وطن الكردي، شعر يتأرجح مابينَ لغة التفكيرالأمّ وبين ترجمة خائنة للعربيّة لغة الاحتكاكِ التي فرضها خطأٌ تاريخي قديم. وأصبحَ بمرور الأيَّام اللغةَ الأقربَ إلى عقل وقلب الشاعر الكرديّ.

لِمَ لَمْ تكتب بلغتكَ الكرديّة ؟ سؤالٌ بديهي يواجهه كل شاعر كردي كتب باللغة العربيّة، سؤال لا يملك الشاعر إزاءه غير الدهشة والارتياب وكأن السؤال في حدّ ذاته استمرار في سياسة ' المنع '، منع الكردي ' في آن' عن لغته وعن توجهه أيضاً نحو لغة عربية تعلَّم أصولها في مدارس العرب ثم أصبحت لغة اللاوعي واللاشعور ليخلَق بذلك تصارعا بين لغتين لكل منها أسسها وقواعدها 'لغةٌ يتكلَّم بها الكردي في قرارة روحه وأُخرى يقرأ بها ويترجم من خلالها آلامه'، نحو لغة عربية ينقل من خلالها وجعهُ كإنسان مشتت بينَ أربع دول، أربعِ ثقافات يتجوَّل الكردي بينها كزائرٍ أحياناً و كَمُتَلَقٍّ أحياناً أُخرى، وأحياناً كمساهمٍ في رفعِ هذه الثقافة إلى مصافّ متقدِّمة -' سليم بركات ' - أنموذج بسيط لمساهمته في الكتابة بلغةٍ عربية نظيفة.

لا يمكننا الحديث عما قدَّمهُ الكرد عبر التاريخ من شخصيات ولكن يمكن التوقُّف عند شعراء كرد شباب يكتبون بلوعة المنفي وهم في أوطانهم، قسمٌ كبير منهم يعيش على أرضه وآخر ارتضى ركوبَ فرس السفر والتجوال في بلاد الله الواسعة، من أرضٍ تتبجَّحُ بشعار 'العيش المشترك'.

هذاالشعار الزائف إلى أرضٍ تحترمهم وتقدِّرُ تاريخهم بوصفهم بشراً لهم تاريخ ويدركون معنى أن يكون الإنسان منفيَّاً لغةً وأرضاً إلَّا أنَّ الشاعر الكردي يبقى أسيرَ أرضه وتقاليد شعبه التي تبقى في الذاكرةِ والأهمّ من كلِّ هذا يبقى أسير أن يتكلَّم لغته مع بشر من بني قومهِ ' رغبةٌ طبيعيَّة لكل إنسانٍ طبيعي'.

أسماء شعريَّة كرديَّة كثيرة كتبت باللغة العربيَّة وأثبتت تفرُّدَهَا في لغةٍ عاشت معهم كأمّ، كتبوا من خلالها ما كانَ يجولُ في داخلهم من اختلاطٍ وتداخل، تأرجح مابينَ توجُّه لكتابة بلغة تُقرأ في كل أصقاع العالم وما بين لغة منسيَّة ومحاربة من قبل أنظمة كتمت كل ما هو كرديّ طوال عقود خَلَت، كانَ الكرديُّ الشاعرُ أسيرَ أمرين: إمَّا أن يكتبَ بلغته الأمّ فلا يتسنَّى لهُ غير الاعتقال والنفي أو أن يكتب باللغة العربيّة لينقلَ جزءاً من الإحساس الكردي عبر لغةٍ أتقنها وأتقن قواعدها وتمكَّن من إيصالِ شعورالكردي وأحاسيسهِ إلى الآخر العربي – شقيقهُ في العيشِ والأرض، لقد نجح الكرديُّ في نقلِ صورةِ الكردِي إلى الآخرِ العربيّ الشريكِ وبلغته.

عَقِبَ ثورات الربيع العربي وبالتحديد الذي يحصل في سوريا اليوم لم يبق للكرديِّ إلَّا أن يمتِّنَ لغتهُ قدر الإمكان ولكن على الصعيد الشخصي وليسَ المؤسساتي، أنْ يكتبَ بغزارةٍ عن الوجع القديم، دونَ أيّ إساءَةٍ للآخَر العربي الذي لم يكن السبب في منعِ اللغة الكرديَّة إنَّما كانَ ينفِّذُ أمراضَ السَّاسَةِ النفسيَّة، كُلُّنا كنَّا ضحيَّة الأمراض النفسية للسلاطين.

Bookmark and Share


تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع الفرات الإخباري بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع الفرات الإخباري علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
عدد التعليقات : 0
لا يوجد تعليقات


اضافة تعليق :
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :